وجه التكذيب له والرد عليه وترك النظر فيما ثبت من معجزاته ، ولو وقع ذلك منهم عاريا عن هذا الوجه لم يكن كفرا . فيجب أن تكون مسألة قوم موسى الرؤية كفرا إذا كان على وجه التكذيب له ، وكذلك نقول . فأما إذا قال به قائل على غير هذا الوجه فلا يجب كون قوله كفرا وإن كان خطأ عظيما ، فقد بان بهذه الجملة ما في هذا الكلام .
شبهة أخرى لهم :
استدلوا على أنه سبحانه يرى بقوله :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
« 1 » ، وأنه جل وعز دل بذلك على أنه يصح أن يرى ، لأن النظر إذا علق بالوجه لم يحتمل إلا الرؤية . قالوا : والنظر إذا عدى بإلى لم يحتمل إلا الرؤية / ولم يحتمل الانتظار ، لأنه لا يقال في زيد إنه ناظر إلى فلان ، ويراد الانتظار ، وإنما يقال هو منتظر فلانا ، قالوا : على أنا إذا قسمنا النظر خرج من القسمة أن المراد بالآية الرؤية على ما نقوله ، وذلك أن النظر يحتمل وجوها :
منها الفكر ، ومنها التعطف والرحمة ، ومنها الانتظار ، ومنها الرؤية .
وقد علمنا أنه لا يجوز أن يكون الفكر والاعتبار مرادا بالآية ، لأنه تعالى ليس هو ممن يفكر فيه ، ويعتبر به ، وإنما يفكر في الحوادث ، ويعتبر بها ، ليتوصل بالفكر فيها إلى معرفة غيرها ، ولأن النظر بمعنى الفكر لا يعدى بإلى .
ألا ترى أن القائل إنما يقول نظرت في الشيء بمعنى الفكر ، ولا يقول نظرت إليه . ولا يجوز أن يراد بالآية النظر بمعنى التعطف والرحمة ، لأن اللّه تعالى يجل عن أن يرحم ويتعطف عليه . ولا يجوز أن يراد به الانتظار لوجوه : منها أنه علق بالوجه ، والنظر إذا علق بالوجه لم يحتمل الانتظار ، كما أن الكتابة إذا
هامش
( 1 ) سورة القيامة : آية 22 .