فصل في بيان حال المشتهى والشهوة وما يتصل بذلك
اعلم أن الواحد منا يجد نفسه مشتهيا للشئ ؛ ويعلم ذلك من حاله باضطرار ، ولذلك يدعوه علمه بالشهوة إلى نيل المشتهى وطلبه ؛ وإنما يلتبس عليه في بعض الأحوال حال ما يشتهيه فيظن أنه حاصل في الجسم وهو غير حاصل فيه ، أو يظن أنه غير حاصل فيه وهو موجود فيه .
فأما علمه بأنه يشتهى الحلاوة والحموضة ، بعد العلم بالحلاوة والحموضة ، فضروري . ولذلك يجد الإنسان تزايد حاله في كونه مشتهيا ، وأن شهوته لبعض الأشياء أقوى من شهوته لغيره ، وشهوته للشئ في حال أقوى من شهوته في حال أخرى .
وكذلك القول في نفور الطبع ، وإن كان وجدان الإنسان من نفسه الشهوة أظهر من علمه بكونه نافر الطبع ، ولو لم يعلم الإنسان كونه مشتهيا باضطرار ، لكان الطريق إلى معرفته واضحا ، وهو أنه يلتذ ببعض المدركات مع جواز كونه غير ملتذ ، فيجب أن يكون إنما يلتذ لاختصاصه بحال ما / لولا كونه عليها لم يلتذ به كما أنه إذا صح الفعل منه في حال كان لا يجوز أن لا يفعل ، وعلم أنه صح منه لاختصاصه بكونه قادرا .
وأما الّذي يعلم به أنه مشته لمعنى فهو لأنه يحصل مشتهيا للشئ بعد أن لم يكن مشتهيا له ؛ وسائر أحواله على أمر واحد ، فلا بد من أمر يوجب كونه مشتهيا ، ولا وجه يصح أن يكون مشتهيا لأجله إلا وجود معنى فيه ، فيجب أن يكون مشتهيا لشهوة .