فصل في أن ما قدمناه من الحاجة والنفع والضرر والألم يتعلق بالشهوة ونفور الطبع
اعلم أن الملتذ إنما يلتذ بإدراك الشيء إذا كان مشتهيا له ، يدل على ذلك أنه لو أدركه وهو غير مشته له لما التذ به ، ومتى اشتهاه التذ به ، فيجب أن يكون المؤثر في كونه ملتذا كونه مشتهيا لما أدركه . ولسنا نرجع بكونه ملتذا إلى حال ثالثة سوى كونه مدركا ومشتهيا ، وإنما نرجع به إلى كيفية كونه مدركا . ولذلك يستحيل / كونه مدركا لما يشتهيه إلا وهو ملتذ ؛ ولو كان بكونه ملتذا حال زايدة لم يمنع كونه مدركا لما يشتهيه غير ملتذ على بعض الوجوه ، كما أن كون الجوهر متحيزا لما كان سوى وجوده لم يمتنع حصول الموجود في غيره ولما يحصل متحيزا . وفي علمنا باستحالة كون واحد من الأحياء مدركا لما يشتهيه غير ملتذ به دلالة على صحة ما قدمناه . ولذلك يصح أن يلتذ الواحد منا بما يشتهيه من الطعوم والأراييح وإن كانت غير حالة فيه ، ولا يصح أن يحصل مختصا بحال لمعنى لا يحل بعضه ، ولذلك يصح أن يألم بالشيء ويلتذ بغيره في حال واحدة ؛ فكل ذلك يبين صحة ما ذكرناه في الملتذ . والقول في الألم ، وأنه إنما يحصل كذلك لكونه مدركا لما ينفر طبعه عنه كالقول فيما قدمناه . ولذلك متى أدرك الواحد منا ما لا يشتهيه ولا ينفر طبعه عنه لم يحصل ألما ولا ملتذا ؛ ولذلك قلنا إن الجرب إذا حك موضع الجرب يلتذ بما يحدث هناك ، ولو لم يكن هناك جرب لكان يألم به ، والحادث معنى واحد ؛ ولذلك قد يلتذ بعض الحيوان بما يألم به غيره . فقد صح بهذه الجملة أن اللذة لا تصح إلا على من تصح عليه الشهوة ، وكذلك لا يصح الألم