تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
قادر ، فيجب أن يدل على أنه يرى ، وهذه جهالة لا وجه للتشاغل بها . وإنما اعتمد شيخنا أبو علي / رحمه اللّه هذه العلة في أن القائل بالرؤية ، إذا علم القديم تعالى على ما هو عليه من صفاته ، ونفى عنه التشبيه ، ولم يصف رؤيته بصفة توجب التشبيه ، فيجب أن لا يكفر لهذه العلة ، لأنه قد عرف اللّه تعالى على ما هو به من صفاته ، وإنما قال إنه يرى لما هو عليه ، لا لأنه أثبته بصفة الأجسام والأعراض ، ولم يكيف رؤيته على وجه يوهم التشبيه ، بل قال إنه يرى كما يشاء ويريد من غير أن يكون بين حاسة الرؤية وبينه مقابلة ، فقال إن هذا القائل ، وإن كان قد تجاهل وارتكب العظيم في الخطأ ، فإنه لا يكفر ، لأنه بما أورده من الاحتراز قد يخرج من أن يكون مشبها ، وليس هو بمجور ولا مكذب لأنه لم يعرف أن اللّه تعالى أراد بقوله :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
« 1 » نفى الرؤية ، فيكون مكذبا ، بل تأوله على وجه آخر . ومن هذه حاله لا يعد مكذبا ، لأن المكذب لغيره هو الّذي يعرف بأنه مخبر عن الشيء وأن ذلك الشيء ليس هو على ما أخبر عنه . فأما إذا أقر بلفظ الخبر ونفى كونه خبرا عن الشيء فليس يجب كونه مكذبا ؛ وإذا لم يكن مشبها ولا مجورا ولا مكذبا ، لم يجب تكفيره . وليس لأحد أن يقول : هلا قلتم إنه يكفر من جهة أخرى ، وهي أنه يؤدى إلى كونه جاهلا باللّه تعالى ، والجاهل باللّه يجب أن يكون كافرا ، وإن لم يكن بالصفات التي ذكرتموها ؟ قيل له : لا يجب ما ذكرته ، وذلك أن من اعتقد فيه تعالى / أنه يرى ، وقد علمه على ما يختص به من الصفات ، فإنما جهل حال الرائين ، فأما أن يكون جاهلا باللّه سبحانه فبعيد ، وذلك أنه قد علمه على سائر صفاته ، فكأنه اعتقد أن الرائي يصح أن يراه وإن كان بتلك الصفة ، وذلك جهل بحال الرائي ، واعتقاد لجواز كونه رائيا لما يستحيل ذلك فيه ، فسبيل هذا المعتقد سبيل
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : آية 103 .