وبعد : فإن القول بصحة رؤيته يوجب تكذيبه في خبره ، لأنه قال تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
« 1 » ، وقد بينا من قبل وجه الاستدلال به على أنه لا يرى .
فإن قالوا : إن القول بأنه لا يرى يوجب تكذيبه في قوله تعالى :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
« 2 » ، فيجب القول ببطلانه . قيل له : إنا نبين من بعد أن ظاهر هذه الآية لا يدل على أنه تعالى يرى ، وإذا لم يدل على ذلك ، لم يكن القول بنفي رؤيته مؤديا إلى التكذيب ، ويوجب نفى ما علم إثباته مما نفيه لا يوجب ذلك ، وذلك يكثر إن تكلفنا ذكره ، فيجب سقوط هذه العلة ، على أنها توجب القول بأنه تعالى عالم لذاته لا يعلم بعلم به ، لأن القول بذلك لا يوجب تشبيهه ولا تجويره ولا / تكذيبه . وقد بينا من قبل أن ما ذكره في كتابه من قوله :
« أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ »
« 3 » ، لا يدل على أن له علما ، فلا يصح تعلقهم به في أنه يوجب التكذيب .
وبعد : فإن القول بإثبات علوم له يعلم بها المعلومات لا يوجب ما قالوه ، فيجب أن يقولوا بإثباتها ، ولا يقتصروا على القول بأنه عالم بعلم واحد .
فإن قيل : ألستم تعتمدون في أن من قال إنه تعالى يرى ، ونفى عنه التشبيه ، ولم يقل إنه يرى على جهة المقابلة ، لا يكفر ، واعتمدتم في ذلك على هذه العلة ، بل قلتم إنه إذا قال بالرؤية على هذا الوجه لم يكن مشبها له ، ولا مجورا ، ولا مكذبا له في خبره ، فلا يجب أن يكون كافرا ، فإذا صح أن تعتمدوا هذه العلة في هذا الوجه ، فهلا أجزتم لنا الاعتماد عليها في أنه يصح أن يرى ليدلنا على صحة الاعتماد عليها في أنه يستحيل أن يرى ، لأن تعلقها بأحد الأمرين كتعلقها
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : آية 103 .
( 2 ) سورة القيامة : آية 22 .
( 3 ) سورة النساء : آية 166 .