الجواب :
إنا قد بينا من قبل ما يسقط هذه الدلالة ، ونعيد بعضه فنقول : إن ما اعتمده أولا أحاله على أنه لا دليل لنا ينفى كونه جل وعز مرئيا إلا ويوجب أن لا يكون رائيا عالما ، فقد كان من حقه أن يورد سائر ما يستدل به . ولا أحد من أهل هذا الشأن إلا ويعلم أنا نستدل على أنه تعالى لا يرى بقوله :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
« 1 » ، فيمكنه أن يقول إن هذا الدليل يوجب نفى كونه رائيا عالما . وكذلك نستدل على أنه لا يرى بالأبصار بأنه لو صح أن يرى ، والموانع تستحيل عليه ، ويستحيل عليه أن يتغير حاله ، فكان يجب أن نراه الآن ، أفترى هذه الدلالة تمنع من كونه رائيا وسائر ما تستدل به ، مما قدمنا ذكره ، يدل على فساد ما قاله ؟
ولا فرق بين من ادعاه وبين من قال إن كل دليل يستدلون به على أنه يرى يوجب تعينه أنه يصح أن يلمس ، وأن يتحرك ، وأن يقرب ويبعد ، وأن يوجد ويعدم ، وأن يعلم ويجهل ، ويقدر ويعجز ، لأن ما نراه مما يقوم بنفسه يصح ذلك كله عليه ، وهذه جهالة لا وجه للتشاغل بها .
على أنا قد بينا أن كون المرئى مرئيا يرجع إلى كل جوهر من هذه الأجسام ، وكون الرائي رائيا ، والعالم عالما ، يرجع إلى الحي . فكيف يقال إن ما دل على نفى الرؤية / يدل على نفى كونه رائيا عالما ، وليس لإحدى الصفتين تعلق بالأخرى ، ولا المختص بإحداهما يصح أن يختص بالأخرى ؟
وأما قولهم إن الجوهر الواحد يصح أن يحيا ويعلم ويرى ، فذلك جهالة ، لأنه يوجب كون الحي منا أحياء كثيرين ، لأن اتصال الأحياء لا يوجب كونهم حيا واحدا ، لأن اللّه تعالى لو أوصل زيدا بعمرو لم يخرجا عما هما عليه . فلو كان
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، آية 103 .