فغير ممتنع أن يعلم المكلف ، عند علمه بأن القديم سبحانه هذه حاله أنه تعالى لا يجوز أن يرى غيره . هذا إذا كان الشاك في أنه تعالى يرى أو لا يرى قد علم القديم عز وجل على ما يختص به في ذاته ؛ ولا يقول بأنه يرى على وجه يوجب التشبيه فيه ، أو يشك في ذلك ، لأنه متى جوز الرؤية عليه على هذا الوجه ، أو شك فيه ، لم يأمن كونه جسما . ومتى جوز كونه كذلك لم يعلم كونه غنيا ، فإذا لم يعلم ذلك لم يعلم / صحة خبره .
فإن قيل : أليس متى جوز المكلف عليه الرؤية جوز عليه الشروط التي معها يرى المرئى من كونه مقابلا أو في حكم المقابل ، وهذا يوجب حدوثه ، فكيف يصح مع ذلك العلم بأنه قديم ، وأنه لا يشبه الأجسام والأعراض ، وإذا لم يصح مع ذلك هذا العلم ، لم يصح أن نعرفه جل وعز بالصفة التي لكونه عليها لا يقع القبيح منه ، وذلك يمنع مما قلتموه من صحة العلم بذلك سمعا ؟ قيل له : إنه لا يمتنع أن يشك المكلف في رؤيته ، وإن علم أنه لا يصح عليه المقابلة وما جرى مجراها ، لكنه يقول إنه يرى كما يشاء ويريد ، أو يرى بأن يفعل في أعيننا الرؤية ، وإن لم تثبت هذه الشروط في رؤيتنا له . فإذا صح ذلك فيه ، لم يمتنع مع شكه في ذلك أن يعلم أنه تعالى بالصفة التي لا يجوز معها فعل القبيح ، وإنما يلزم من يقول إنه سبحانه يرى هذا القول ، كما يلزم على كثير من المذاهب ما لا يلتزمه الذاهب إليه ، فليس يجب من حيث صح منا إلزامه أن يكون القائل بإثبات الرؤية قائلا به . وإذا لم يجب ذلك فيه ، صح أن يعلم بالسمع ما يخبر اللّه عنه وإن شك في الرؤية .
وقد قال شيخنا أبو علي رحمه اللّه إن سائر ما ورد به القرآن في التوحيد والعدل ورد مؤكدا لما في العقول . فأما أن يكون دليلا بنفسه يمكن الاستدلال به
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 174
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٧٤