تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
رائيا لغيره لا يقتضي كونه رائيا لنفسه ، ولا ما دل على ذلك دل على كونه رائيا لنفسه ، فلم يمتنع أن يكون رائيا / لغيره وإن لم يكن رائيا لنفسه . يبين ذلك أن ماله صار رائيا لغيره هو لأن غيره بالصفة التي يصح معها أن يرى ، وإنما وجب كون الواحد منا رائيا لنفسه لأن نفسه كغيره في أنه جسم تصح رؤيته ، ولذلك لما لم يشارك نفسه غيره فيما له صح أن يسمع ، لم يجب من حيث سمع الأصوات التي هي غيره أن يكون سامعا لنفسه . فإذا ثبت أنه إنما يرى نفسه ، لأنها كغيره في الصفة التي لها يصح أن يرى ، لم يكن بأن يقال إنه تعالى إنما رأى نفسه من حيث رأى غيره بأولى من أن يقال إنما رأى غيره من حيث رأى نفسه ، وهذا يوجب كون كل واحد من الأمرين علة في نفسه ، وهذا واضح الفساد . فإن قيل : قد اعتمدتم فيما قدمتموه من الأصل على أن كون الرائي منا رائيا لغيره لا يقتضي كونه مرئيا ، فدلوا على ذلك ليتم لكم ما ذكرتموه . قيل له : ان وصف الرائي منا بأنه راء يرجع إلى جملته ، ووضعه بان يرى يرجع إلى كل جزء منه ، لأن الرائي هو الحي ، والمرئى هو كل جزء من الجواهر . فإذا صح ذلك ، لم يجز أن يقال إن كونه رائيا يقتضي كونه مرئيا ، لأن الصفة الراجعة إلى الجملة لا يجوز أن تقضى صفة يختص بها المحل ، لأن المحل في حكم الغير له ، ولا يصح أن يقتضي صفة لموصوف آخر . فقد ثبت أن كونه رائيا لا يقتضي كونه مرئيا ولا رائيا لنفسه ، ولذلك يصح أن يخرج من كونه رائيا وإن كان مرئيا لغيره . فإذا صح ذلك ، لم يمتنع كونه / تعالى رائيا لغيره وإن لم يكن رائيا لنفسه . والّذي يدل على أن الواحد منا راء لا يدل على كونه مرئيا ، لأن العلم بأنه مرئى طريقه اختبار المشاهدة ، والعلم بأنه راء طريقه الاستدلال بكونه حيا لا آفة به ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 177 | القاضي عبد الجبار الهمذاني