تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣

فصل في أن السمع كالعقل في أنه يصح أن نعلم به أنه تعالى لا يرى

اعلم أن ما لا يصح أن يعلم إلا من جهة العقل ، هو الّذي مع الجهل به لا يصح أن يعلم كونه تعالى حكيما لا يختار فعل القبيح ، أو لا يسلم هذا العلم معه ، فما هذه حاله لا يصح أن يعلم إلا بالعقل . فأما ما يصح هذا العلم مع الجهل به ، فليس يمتنع أن يعلم من جهة السمع . وإنما قلنا ذلك لأن صحة معرفة الشيء من جهة السمع موقوف على العلم بأنه تعالى على صفة معها لا يختار فعل القبيح . فمتى أمكن معرفة ذلك صح أن يعلم بخبره سائر ما يخبر به ، لأنه يعلم كونه صادقا / في خبره ، وأنه لا يجوز أن يختار فعل الكذب على وجه من الوجوه . ولذلك صح أن تعرف السمعيات كلها بخبره ، أو بما يجرى مجرى خبره من الأمر والنهى من حيث صح قبل العلم بها العلم بأنه تعالى لا يختار فعل القبيح من الكذب وغيره . ولذلك لا يصح للمجبرة عندنا العلم بالسمعيات ، لأنهم قد أفسدوا على أنفسهم طريق العلم بأنه سبحانه لا يفعل القبيح لإضافتهم القبائح كلها إلى اللّه . فلذلك قلنا إن من نسب إلى اللّه قبيحا واحدا لم يمكنه أن يعلم شيئا بالسمع ، حتى قال شيوخنا رحمهم اللّه : إن من نسب الخسيس إليه تعالى ، واعتقد فيه أنه قبيح لا يمكنه العلم بصحة السمع . ولذلك قلنا إن من لم يعرف ما يختص القديم تعالى من كونه قادرا عالما حيا ، غير مشبه للأجسام ، غير محتاج ، لا يمكنه أن يعرف صحة السمع . فإذا صح ذلك ، وكان مع الشك في أنه تعالى يرى أو لا يرى ، يصح أن يعلم كونه تعالى عالما بقبح القبائح ، وبأنه مستغن عن فعلها ، وبأن من هذه حاله لا يختارها