تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
فيجب أن لا يرى ، لأنه لا قول بعد إبطال أنه لا يرى بالإبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا القول بأنه يستحيل أن يرى أصلا . وقد أبطلنا القول بأنه يرى بحاسة أخرى ، فالتعلق بذلك لا يصح ، ويسقط بذلك قول من قال إن الجواب إنما يقتضي نفى الرؤية / في الحال فقط . على أنه لو اقتضى نفى الرؤية في الحال لم يعلم بظاهره أنه لا يراه بعد ذلك ، فكان يجب عندما أفاق موسى صلى اللّه عليه أن يكون شكه أو شك قومه كهو قبل المسألة ، وفي بطلان ذلك دلالة على صحة ما قلناه . وليس لأحد أن يقول : إن موسى صلى اللّه عليه إنما سأل الرؤية في الحال ، فكيف يجيبه عز وجل بنفي الرؤية في كل حال . وذلك لأنه ليس في قوله
« رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ »
« 1 » توقيت ، فلا يمتنع أن يكون سأله الرؤية في كل حال عن لسان قومه ، فصح أن يكون الجواب جوابا عن نفى الرؤية في كل حال . وبعد : فإن السؤال لو صح كونه مقيدا بوقت لم يجب مثله في الجواب إذا كان لفظه يدل على تأييد النفي ، ولا يمتنع أن يجيبه بما يعرفه به أن ما سأل لا يجوز عليه في كل حال ، فيزيده بيانا على ما يقتضيه جواب سؤاله . وقد قال شيخنا أبو علي إن قوم موسى عليه السلام إنما سألوه أن يريهم اللّه جهرة ، فخبرهم باستحالة ذلك ، فقالوا :
« لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً »
« 2 » ، فأراد صلى اللّه عليه أن يأتيهم من قبل اللّه جواب مقنع ليكون زجرا لهم ، وكانوا سألوه أن يكلمه اللّه بحضرتهم حتى يسمعوا كلام اللّه فقال لهم : اختاروا منكم سبعين رجلا ، فاختاروهم ، واختارهم موسى عليه السلام ، وصار بهم إلى الميقات . فلما كلمه تعالى بحضرتهم قالوا له : سل اللّه الرؤية
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : آية 143 . ( 2 ) سورة البقرة : آية 55 .