[ معه ] عنهم الشبه والشك . وليس كذلك سائر ما سألت عنه ، لأن مع جهلهم به لا يصح أن يعلموه جل وعز حكيما صادقا في إخباره ، فإذا لم يصح منهم ذلك كان ورود الجواب عن اللّه تعالى ، والحال هذه ، لا يفيد ، فلا يصح لموسى صلى اللّه عليه أن يسأل عنه ، لأنه في حكم العبث إذا كان حالهم هذه ، ففارق حال الرؤية حال التجسيم واتخاذ الصاحبة والولد .
وقد أجاب بعض شيوخنا عن ذلك بأن قال : كان يحسن منه أن يسأل عن ذلك أجمع إذا علم أنه صلاح لهم في الدين ، وأن ورود الجواب عن اللّه تعالى لطف لهم في النظر فيه ، بعد أن تبين في مسألته أنه عالم باستحالة ما سألوا عنه ، وأن غرضه في السؤال ورود الجواب ليكون لطفا لهم ، وذلك يسقط السؤال أيضا ، وهذا غير بعيد ، لأنه كما يجوز أن يؤكد جل وعز ما يعلم من حاله بالعقل كالتوحيد والعدل ، بإنزال الدلالة عليه في كتبه ، ويكون في ذلك وجه من الحكمة ، فكذلك لا يمتنع أن يعلم بعض أنبيائه أن ورود ذلك على جهة الجواب صلاح لقومه ، فسأل اللّه جل وعز / إنزال ذلك ، لأن الجواب في ذلك لو قبح .
ولم يكن فيه معنى لقبح ابتداء إنزاله أيضا .
وكما يصح أن ينزل جل وعز على أنبيائه علما بعد علم عند المسألة لما يعلم فيه من المصلحة ، كما يصح ذلك على جهة الابتداء ، فكذلك لا يمتنع مثله فيما ذكرناه .
وقوله تعالى :
« يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ »
« 1 » ، يدل على ما قلناه .
وليس لأحد أن يقول : إذا كان إنزال الكتاب من السماء على الوجه الّذي سأله أهل الكتاب يصح ، وإنما ذمهم لأنهم سألوا ذلك على وجه المعاندة ،
هامش
( 1 ) سورة النساء : آية 153 .