فقولوا إن الرؤية على اللّه تعالى جائزة أيضا ، وإنما عظم اللّه تعالى ذلك منهم ، لأنهم سألوه على وجه المعاندة لموسى صلى اللّه عليه ، وجعلوا حكم الممثل حكم الممثل به . قيل له : إن الوجه في تشبيه أحدهما بالآخر ليس هو ما ظننته ، وإنما أراد جل وعز أن مسألة أهل الكتاب ذلك للرسول صلى اللّه عليه خطأ عظيم ، كما أن مسألة قوم موسى عليه السلام خطأ عظيم ، منبها بذلك نبينا صلوات اللّه عليه أن مثل ما امتحن به قد لحق السلف من الأنبياء . فإذا صح ذلك ، فالكلام في أن أحد الأمرين ، وإن كان خطأ ، يجوز وقوعه ، لأنه يتعلق بالفعل الواقع باختياره ، والآخر يرجع إلى ما هو عليه في ذاته لا مدخل له في الكلام .
ألا ترى أنا نقول إنه تعالى قد تمدح بنفي الظلم عن نفسه ، كما تمدح بنفي السنة والنوم عن نفسه ، وإن كنا نفصل بين الأمرين في صحة / وقوع أحدهما لدخوله تحت القدرة ، واستحالة الآخر لأنه أمر يرجع إلى ذاته ، وذلك لا يؤثر في صحة التشبيه !
فإن قيل : إنه لو سلم لكم أن المراد بالآية الرؤية على ما اعتمدتموه ، لم يصح التعلق بها ، لأنه ليس فيه أكثر من أنه لا يراه ، وليس في ظاهره ما يدل على أنه لا يجوز أن يرى بالأبصار ، ولا ما يدل على أنه لا يجوز أن يراه بعد تلك الحال ، ولا فيه ما يدل على أن غير موسى لا يراه ، وكل ذلك يمنع من تعلقكم بها . قيل له : إن قوله سبحانه :
« لَنْ تَرانِي »
يدل ظاهره على أنه لا يراه أبدا ، لأن النفي على هذا الوجه يوجب ذلك في اللغة ، كقوله تعالى :
« فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ، فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ »
« 1 » ، إلى ما شاكله ، وذلك ظاهر في اللغة . وإنما علق الرؤية باستقرار الجبل لينبه بجعله إياه دكا . مع
هامش
( 1 ) سورة البقرة آية : 24 .