فصل في بيان حقيقة اللذة والسرور والألم والغم وما يتصل بذلك
اعلم أن الملتذ إنما يلتذ بادراك ما يشتهيه ، فمتى أدرك ما هذه حاله / صار ملتذا .
وإنما يصير ألما متى أدرك ما ينفر طبعه عنه ، فعند ذلك يوصف بأنه ألم .
والمسرور إنما يسر بأن يعلم وصول نفع إليه أو يظن ذلك أو يعتقده . والمغتم يوصف بذلك إذا علم أو ظن أن ضررا سيصل إليه أو هو واصل إليه . فالمؤثر في كونه ملتذا هو الشهوة ، وفي كونه ألما هو النفور ، وفي كونه مغتما ومسرورا الاعتقاد ، وقد يؤثر الاعتقاد في قوة السرور وإن لم يكن متعلقا باللذة والنفع ، كعلم أهل الجنة بأنه تعالى قصد بالثواب تعظيمهم أو ما شاكل ذلك . وما يؤدى إلى اللذة لا يوصف بأنه لذة في الحقيقة وإن وصف بأنه منفعة ؛ وكذلك ما يؤدى إلى الألم لا يسمى ألما .
فأما ما يلتذ به الملتذ ولا يكون إلا مدركا فهو على ضربين : أحدهما يسمى لذة ، وهو ما يحدث في جسم الملتذ إذا كان له مشتهيا . ومنه ما لا يسمى بذلك كنحو الطعوم والأراييح التي يلتذ بادراكها إذا اشتهاها . والتذاذه بكلا الأمرين على وجه واحد ، وإن كان أحدهما حادثا والآخر باقيا ، وأحدهما يسمى لذة دون الآخر ، وأحدهما يحدث في جسمه ولا يجب ذلك في الآخر ، وأحدهما متى حدث يجب أن يدركه لا محالة ، ولا يجب ذلك في الآخر . والقول فيما يألم به في انقسامه إلى هذين القسمين كالقول فيما قدمناه ، بل هو في ذلك أظهر ، لأن ما يحدث في جسمه مما يألم به أظهر وأكشف / مما يلتذ به . ولذلك يصح أن يألم بكل ما يلتذ به ، وقد يألم بأشياء يستحيل أن يلتذ بها .