تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ »
« 1 » على وجه الإنكار لأن يفعل ذلك ، لا على وجه الاستفهام . ولذلك تاب من مسألته فقال تعالى :
« فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ »
« 2 » ، وإنما تاب عندنا لأنه أقدم على أن يسأل على لسان قومه ما لم يؤذن له فيه ، وليس للأنبياء الإقدام على مسألة ما هذه حاله قبل ورود الإذن ، لأنه لا يؤمن أن يكون الصلاح في أن لا يجابوا إليه ، أو في أن يفعل خلاف ما طلبوه إذا كان ذلك يصح فيه ، فيقع بذلك التنفير عنهم . ولسنا نقول إنه تاب لأنه سأل الرؤية وهو غير عالم بأنها لا تجوز عليه تعالى ، لأن الأنبياء لا يصح أن تجهل ما هذه حاله ، لما في ذلك من جواز وقوف أمتهم على ما في ذلك من حالهم ، وفي ذلك تنفير عظيم . فلذلك صرفنا السؤال إلى أنه إنما سأل عن قومه ، فلذلك قال :
« تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ »
« 3 » ، يريد بذلك وأنا أول من آمن من قومي بأن الرؤية لا تجوز عليك ، وإنما سألت ليثبتوا بالجواب الصادر من قبلك أن ذلك لا يجوز عليك . على أن من حمل الآية على أنه سأل أن يعرفه نفسه ضرورة ، فلا بد له من الدخول فيما عابه علينا ، لأنه يقال له : أتقول إنه سأله ذلك وهو عالم بأنه في حال التكليف لا يحسن أن يعرفه نفسه ضرورة ، أو لا يعلم ذلك ؟ فإن قال : كان يعلم ذلك ، لأن العقل قد دل على أن المكلف لا يجوز أن يكون عالما باللّه من جهة الاضطرار على ما يذهب إليه في هذا الباب ، قيل له : فلما ذا سأل ذلك مع علمه بأنه لا يجوز عليه . فإن ذكر في ذلك وجها / لأجله سأله ذلك من أنه سأله ليصير ما علمه عنده آكد ، ولكي يقف قومه عليه فيعرفون
هامش
( 1 ) سورة المائدة : آية 116 . ( 2 ) سورة الأعراف : آية 143 . ( 3 ) سورة الأعراف : آية 143 .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 165 | القاضي عبد الجبار الهمذاني