في مذاهب / العرب ، لأنهم يؤكدون الشيء بما يعلم أنه لا يقع على جهة الشرط ، لكن على جهة التبعيد ، كما يقول قائلهم : « لا كلمتك ما لاح كوكب أو أضاء الفجر » ، وكما قال الشاعر :
إذا شاب الغراب أتيت أهلي * وصار القار كاللبن الحليب
وكما قال جل وعز :
« وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ »
« 1 » وكما قال تعالى :
« وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ »
« 2 » فكذلك قوله :
« فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي »
« 3 » ، ثم جعله الجبل دكّا بين به انتفاء الاستقرار ، دليل على أن الرؤية لا تقع على وجه .
فإن قيل : إن ظاهر قوله :
« رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ »
« 4 » لا يدل على أنه سأل الرؤية بالبصر ، فيكون ما ذكرتموه من الجواب دلالة على نفى الرؤية ، فهلا جوزتم أن يكون إنما سأل أن يعرفه نفسه ضرورة على ما ذهب إليه كثير من الشيوخ رحمهم اللّه كأبي الهذيل وأبى على رحمهما اللّه أولا ، ويكون المراد بقوله :
« رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ »
« 5 » أنظر إلى الآيات التي بظهورها أعرفك ضرورة ، نحو الآيات التي تظهر في الآخرة ، كما قال تعالى :
« يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ »
« 6 » ، وكما قال :
« وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى »
« 7 » ، و
« تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ »
« 8 » ، فلا يدل ظاهر الآية على ما ذهبتم إليه ، سيما وإطلاق الرؤية عندكم لا يقتضي الإدراك بالبصر إلا إن تقيد بذكر البصر ، كما يقولونه في الإدراك ؟
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : آية 40 .
( 2 ) سورة هود : آية 108 .
( 3 ) سورة الأعراف : آية 143 .
( 4 ) سورة الأعراف : آية 143 .
( 5 ) سورة الأعراف : آية 143 .
( 6 ) سورة المعارج : آية 9 .
( 7 ) سورة الحج : آية 2 .
( 8 ) سورة الحج : آية 2 .