وكيف يصح أن / يسأل موسى عليه السلام الرؤية ، وقد علم أنه كان يعلم أن الرؤية لا تجوز على اللّه تعالى عنده ، لأنه لو لم يعلم ذلك لكان في حكم الجاهل باللّه وتوحيده ، وذلك لا يجوز على الأنبياء صلوات اللّه عليهم لما فيه من التنفير عن القبول منهم والرجوع إلى قولهم ، لأن أمته لو رجعوا إليه وسألوه عن الرؤية ، وكان جاهلا به ، لأدى إلى أن يعلموا أنه قد جهل ما قد عرفوه من التوحيد ، وفي ذلك من التنفير ما لا خفاء به !
وما أنكرتم أن تقطيعه الجبل ، وجعله إياه دكا ، يدل على أنه إنما سأل إظهار الآيات التي يعلم عندها ضرورة فأظهر تعالى من ذلك آية دله بها على [ أن حال التكليف لا يصح طهور ذلك فيه ليعتبر ويعلم أن حال الضرورة هو حال زوال التكليف ، وأنه لا يصح في الدنيا « 1 » ] ما يصح في الآخرة من ذلك . وكل ذلك يبين أن المراد بالآية ليس هو الرؤية ويبطل تعلقكم بها . قيل له : إن الرؤية إذا قرن إليها النظر وعداه « 2 » بإلى فالمراد به الرؤية بالبصر . وقد قال سبحانه :
« رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ »
« 3 » ، فلما قرنه بالنظر وعداه بإلى وجب حمل ظاهره على الرؤية بالبصر ، لأنه لا يصح أن يكون المراد بهذا النظر الفكر ، لأنه لا يقال في نظر الفكر ينظر إليه على الحقيقة ، وإنما يقال ينظر فيه . وقد ورد الكتاب بما يدل على ذلك :
فقال سبحانه :
« يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ »
« 4 » ، وقال تعالى :
« وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ
هامش
( 1 ) ما بين القوسين ساقط من نسخة المكتبة المتوكلية اليمنية ، ومثبت في نسخة دار الكتب المصرية .
( 2 ) في نسخة دار الكتب المصرية : معدى وأكبر الظن أنه خطأ وتصحيحه ( تعدى ) .
( 3 ) سورة الأعراف : آية 143 .
( 4 ) سورة النساء : آية 153 .