تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
أنه يرى ، ويستحيل في الوجهين جميعا أن تتغير حاله ، كما أن ما يرى إنما يرى لاختصاصه بحال هو عليه متى كان عليه وجب أن يرى ، وخروجه عنه يستحيل . فإذا صح ذلك ، علم أنه في ذاته لا يصح أن تدركه الأبصار . فإذا كان لما هو عليه في ذاته يجب ذلك فيه ، فيجب كما لا يتغير في ذاته عما هو عليه ، أن لا يختلف حاله في نفى الإدراك عنه . وقد قيل إن وجه التمدح بذلك أنه إنما يستحيل / أن يرى لكونه قديما ، لأن ما يرى بالأبصار من حقه أن يكون محدثا ، لأنه لا يصح أن يرى بالأبصار إلا ما صح كونه في جهة دون أخرى ، وما استحال ذلك عليه لا يصح أن يرى بالأبصار ، ولا نقص أعظم من إثباته محدثا لو كان مرئيا بالأبصار ، فيجب أن يكون نفى إدراك البصر عنه يوجب المدح ، وإثباته يوجب النقص . وليس لأحد أن يقول : ألستم تنفون الرؤية عن الإرادة والاعتقاد وغيرهما ، وإن لم يكن ذلك مدحا لهما ، ولا إثباته نقصا ، فكيف يصح أن تقولوا في القديم جل وعز إن نفى الإدراك عنه يوجب فيه المدح ، وإثباته له يوجب النقص ؟ قيل له : إنه تعالى تمدح بأنه يرى ولا يرى ، وامتداحه بمجموع الأمرين يمنع مما سألت عنه ، كما أنه تعالى تمدح بنفي السنة والنوم عنه مع أنه حي ، فإنما تمدح بمجموعهما . فكما ليس لأحد أنه يقول : أليس نفى السنة والنوم عن الجماد لا يوجب المدح كما ذكرتموه في القديم ؟ لأنا نقول له : ليس الجماد على الصفة التي يكون القديم عليها امتدح بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم ، فكذلك الإرادة والاعتقاد إنما لا تريان لأمر يرجع إليهما ، والقديم سبحانه ، مع أنه يصفه سائر الرائين يرى ولا يرى ، فقد بان بذلك من بين سائر الأشياء ، لأن سائر الأشياء على أضرب ثلاثة : منها ما يرى ويرى وهو الواحد منا ، ومنها ما لا يرى ويرى وهو الألوان ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 160 | القاضي عبد الجبار الهمذاني