تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
ومنها ما لا يرى ولا يرى وهو الإرادات والقديم سبحانه / قد اختص بأنه يرى ولا يرى من بين سائر الأشياء ، فما ساواه في إحدى هاتين الصفتين لم يساوه في الوجه الّذي تمدح عليه ، وسقط بذلك ما سأل عنه السائل . وليس لأحد أن يقول : كيف يصح أن يتمدح بأنه يرى ولا يرى ، ويكون كلا الأمرين بمجموعهما مدحا ، ولا يكون كل واحد منهما مدحا ، ولو جاز ذلك لجاز أن نمدحه بأنه عالم قادر ولا نمدحه بأحد الأمرين . وذلك لأن الممدوح بذلك يختلف ، فمنه ما يكون مدحا له بانفراده ، وفيه ما يكون مدحا له مع غيره . ألا ترى أن وصفنا له بأنه موجود بانفراده ليس بمدح لمشاركة المحدث إياه فيه ، ووصفنا له بأنه موجود لم يزل ، مدح ! فكذلك لا يمتنع أن يكون الوصف له بأنه يرى بانفراده لا يكون مدحا ، فإذا قرن إليه أنه يرى يكون مدحا ، ولهذا نظير فيما يستحق من المدح على الأفعال أيضا . فقد صح بهذه الجملة وجه الاستدلال بقوله تعالى
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
« 1 » على أنه تعالى لا يرى . دليل آخر : وقد استدل شيوخنا رحمهم اللّه على أنه تعالى لا يرى بالأبصار بقوله تعالى في قصة موسى عليه السلام :
« رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ »
« 2 » ، وإجابته إياه بقوله :
« لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي »
« 3 » ، فنفى أن يراه ، وأكد ذلك بأن علقه باستقرار الجبل ، ثم جعله دكا ، ونبه بذلك على أن رؤيته له لا تقع لتعليقه إياها بأمر وجد ضده على طريق التبعيد المشهور
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : آية 103 . ( 2 ) سورة الأعراف : آية 103 . ( 3 ) سورة الأعراف : آية 143 .