تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
فأما التمدح بما يجرى مجرى النفي . فإنه يجرى على طريقة واحدة في أن إثباته لا يكون إلا نقصا ، وذلك نحو تمدحه بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم ، وليس كمثله شيء ، وبنفي الصاحبة والولد ، إلى ما شاكله ، لأن كل ذلك يفيد أنه لما هو عليه في ذاته لا يصح عليه هذه الأمور . وصحتها عليه تفيد كونه محدثا ، لأن من حق السنة والنوم أن لا يصحان إلا على الجسم الّذي يصح الفتور والاسترخاء عليه ، والصاحبة والولد لا يصحان إلا على الأجسام التي يصح معنى المضاجعة عليها ومعنى الولادة ، ودخول الشيء وخروجه فيه ، وإثبات مثل له يقتضي فيه أنه ليس بقادر لنفسه ، وأن منعه عن مراده يصح فقد بان أن إثبات جميع ما يمدح بنفيه من هذه الوجوه يقتضي فيه النقص ، لأنه يوجب كونه جسما ، أو خارجا من كونه قادرا / لنفسه ، وفي ذلك إخراج له من كونه قديما ، وفي إخراجه من كونه قديما إبطال له وإبطال الحوادث . وأما تمدحه جل وعز بأنه لا يدرك بالأبصار ، فإنه يجرى على هذا المنهاج ، فإن إثباته لا يكون إلا نقصا لأنه تمدح بنفي أمر يرجع إلى ذاته ، فلذلك وجب أن لا تدركه الأبصار على وجه من الوجوه . فإن قيل : إنما يصح قولكم إن إثبات ذلك نقص متى بينتم الوجه الّذي له صار وصفا له أنه لا تدركه الأبصار مدحا ، وبينتم أنه مدح على وجه يقتضي أن نفيه نقص ، ومتى لم تبينوا وجه المدح لم يتم ما ذكرتموه ، لأنه لا يصح لكم القول بأنه سبحانه امتدح بذلك على وجه لا يعقل . قيل له : إنه تعالى إذا ثبت أنه قد امتدح بذلك ، وعلم أن امتداحه لا يصح أن يكون باختيار فعل أو بانتفاء فعل ، علم أنه تمدح بأمر يرجع إلى ذاته : وإذا صح ذلك ، وعلم أن ما لا يرى إنما لا يرى لأمر هو عليه لنفسه لا يجوز خروجه عنه ، أو لخروجه عن أن يكون بصفة ما يثبت بالدليل