قيل له : إن وصفنا إياه عند إيجاده للأجسام بأنه لا يوصف بالقدرة عليه إنما لا يوجب النقص ، لأنه يفيد خروجه من كونه قادرا على شيء يستحيل كونه مقدورا ، وإنما يلحق بمثل هذا النقص متى أبنا عن خروجه من كونه قادرا على شيء يصح كونه مقدورا في نفسه ويصح مع ذلك كونه مقدورا له . ولذلك لا يعد كونه تعالى غير موصوف بالقدرة على أفعال العباد نقصا لما استحال كونها مقدورة له ، ولا يعد كونه غير موصوف بالقدرة على إيجاد الأجسام والألوان وما حرى مجراها صفة نقص ، لأنا إنما جعلنا ذلك مفيدا للنقص لما كانت الأجسام والألوان مقدورة في الحقيقة ، وإنما لم يصح من الواحد منا أن يقدر عليهما لأمر يرجع إليه لا إلى الجسم واللون ، وهو لأنه يقدر بقدرة تحله لا يصح أن يفعل بها الأجسام أو الألوان لا لأمر يرجع إلى جنسهما . فأما القديم تعالى فإنما لا نصفه بالقدرة على إيجاد ما قد أوجده من الأجسام ، لا لأمر يرجع إليه ، لكن لشيء يرجع إليها ، وهو أنها بوجودها قد خرجت من أن يصح إيجادها ، فلا يوجب وصفنا له بذلك فيه صفة نقص على وجه من الوجوه / .
فإن قيل : فيجب إن كان الأمر كما زعمتموه أن يكون وصفا له إذا هو أفنى الأجسام بأنه قادر على إيجادها ليس بصفة مدح ، وإن كان وصفنا له بأنه لا يوصف بالقدرة عليها عند وجودها ليس بصفة نقص . قيل له : إنه إذا أفنى الأجسام فقد صارت بحيث يصح إيجادها ، وإذا صح ذلك فيها ، فوصفنا له جل وعز بأنه قادر على إيجادها في أنه مدح بمنزلة وصفنا له بأنه قادر على سائر ما نصفه بالقدرة عليه . وليس كذلك ما لا نصفه بالقدرة عليه مما قد وجد ، لأن ما له لم نصفه بذلك ليس هو لشيء يرجع إليه ، بل هو لأمر يرجع إليها ، وهو استحالة وجودها .
فلذلك قسمنا وصفنا لمن يصفه بأنه غير قادر على الشيء إلى قسمين
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 157
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٥٧