وقع الإحباط والتكفير بين الثواب والعقاب على هذا الوجه . ولذلك نقول في المظلوم إنه إذا كان من أهل النار ولم يصح أن يوفر عليه ما يستحقه من الأعواض أن يجعل ذلك جزءا من عقابه ، وجعلنا انتقاص كل جزء من العقاب بمنزلة إيصال جزء من اللذة إليه ، وبذلك يستحق المبرئ غيره من الدين وسائر الحقوق المدح ، كما يستحق مثله على العطايا المسداة . فقد ثبت أنه جل وعز لو لم يعاقب الكفار والفساق وعفا عنهم لاستحق المدح ، وإن كان لو فعل بهم العقاب لم يكن ذلك نقصا فيه . فقد ثبت أن النفي والإثبات في باب الأفعال يتساوى ولا يختلف ، وهذه الطريقة أولى من طريقة من فصل بين الأمرين وجعل النفي مخالفا للإثبات .
فأما التمدح إذا كان بأمر يرجع إلى الذات ، فإنه ينقسم إلى أقسام ثلاثة :
أحدها تمدح بإثبات في الحقيقة ، والثاني تمدح بما يجرى مجرى الإثبات ، والثالث تمدح بما يجرى مجرى النفي .
فأما التمدح بما هو إثبات في الحقيقة ، فكوصفنا له بأنه موجود قديم باق إلى سائر ما يفيد وجوده ، فإن ذلك إثبات في الحقيقة ، ونفى ذلك يوجب النقص ، لأن نفى ذلك يقتضي عدمه في حال أو في كل حال ، وذلك يخرجه من كونه قديما ، ولا شيء أدل على النقص مما يفيد فيه إخراجه عن كونه قديما .
فأما التمدح بما يجرى مجرى الإثبات / فكوصفنا له بأنه عالم قادر حي سميع بصير لأن هذه الصفات أجمع تفيد مدحه بما هو عليه في ذاته ، ونفى جميع ذلك يوجب النقص ، لأن خروجه من كونه عالما وقادرا وحيا وسميعا وبصيرا يوجب فيه النقص .
فإن قيل : أليس القديم تعالى عند إيجاده الأجسام قد خرج عن أن يكون قادرا عليها عندكم ، ولا يوجب ذلك نقصا فيه ، فكيف يصح ما ذكرتموه ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 156
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٥٦