يصح أن يرى ، أو يحصل فيما يستحيل أن يرى ويجريه مجرى ما يستحيل رؤيته عندنا . فإذا صح ذلك زال الاعتراض بما ذكرته على مذهبه .
فإن قيل : ألستم تمدحونه جل وعز بأنه حليم ولا ترجعون بذلك إلا إلى أنه لا يعاقب من عصاه ، ولم يجب أن يكون إثباته معاقبا في الآخرة نقصا ، فجوزوا أن يدرك في الآخرة بالأبصار ولا يكون ذلك نقصا ، وإن كان قد تمدح بأنه لا يدرك بالأبصار / قيل له : إن وصفنا له جل وعز بأنه حليم يفيد أنه لم يفعل العقاب على وجه هو متعجل بفعله . فإثباتنا إياه في الآخرة معاقبا لا يخرجه من أن يكون غير متعجل بفعل العقاب ، فلم يثبت له ما مدحناه بنفيه عنه على الوجه الّذي مدحناه به . والحليم في الشاهد إنما يوصف بذلك لأنه لا يعاجل بالعقاب ، فمتى لم يعاجل به وصف بذلك أخره أم تركه أصلا .
والتارك للعقاب لم يوصف بأنه حليم لتركه له ، وإنما يوصف بذلك لأنه لم يتعجل بفعله . فليس لأحد أن يقول إن ما ذكرتموه ليس هو المراد بوصف الحليم بأنه حليم في الشاهد . هذا هو قول شيخنا أبى هاشم رحمه اللّه . فأما شيخنا أبو علي رحمه اللّه فإنه يقول إن تمدحنا له بأنه حليم هو تمدح بفعل ما ينافي وجوده وجود العقاب من الإنعام والصحة وما يجرى مجراهما . ويجرى ذلك مجرى تمدحه بفعل التفضل ، فالكلام عنه زائل من هذا الوجه ، وإن كان الصحيح في وصف الحليم ما قدمناه أولا .
واعلم أن الأصل فيما يمدح به القديم سبحانه ، وفيما يتمدح هو به ، أنه على قسمين : أحدهما تمدح بأمر يرجع إلى إثبات الفعل ونفيه ، والثاني تمدح بما يرجع إلى ذاته .
ثم ينقسم كل واحد من القسمين على ضربين : فما تمدح به لأمر يرجع إلى
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 154
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٥٤