وقد علمنا أن الإدراك إذا قرن بالبصر أفاد ما تفيده رؤية البصر ، وإن كان إذا أطلق فقد يستعمل بمعنى اللحوق ، فيقال : أدرك الغلام إذا بلغ ، وأدركت الثمرة « 1 » إذا نضجت ، وأدرك فلان فلانا إذا لحقه ، وقال سبحانه :
« حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ »
« 2 » يعنى لحقه الغرق ، و
« قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ »
« 3 » يعنى لملحوقون . وقد يقال عند الإطلاق أدركت الحرارة والبرودة ، وأدركت الصوت ، وكل ذلك إنما يصح إذا لم يقرن بالبصر ، ومتى قرن به زال الاحتمال عنه ، فاختص بفائدة واحدة وهي الرؤية بالبصر . فإذا صح ذلك فيجب أن يكون قوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
في باب الدلالة على أنه لا يرى بمنزلة قوله لو قال : لا تراه الأبصار .
فإن قيل : ولم قلتم إن الإدراك بالبصر / والرؤية بالبصر يفيدان فائدة واحدة ؟ قيل له : إن الرجوع في أن فائدة الكلمتين سواء إلى الاستعمال ، وقد وجدناهم لا يفصلون بينهما في الاستعمال على وجه : فكل شيء يوصف الإنسان بأنه أدركه ببصره يوصف بأنه رآه ببصره ، وكل ما يوصف بأنه رآه ببصره يوصف بأنه أدركه ببصره ، وما امتنع استعمال أحدهما فيه على الحقيقة لا يستعمل الآخر فيه ، فيجب صحة ما قلناه . ولهذا استشهد شيوخنا رحمهم اللّه بقول أهل اللغة : أدركت ببصرى شخصا ، ورأيت ببصرى شخصا ، وأحسست ببصرى شخصا ، وأن أهل اللغة إذا لم تفرق في الاستعمال بين جميع ذلك علم تساوى فوائدها .
فإن قيل : فأنتم قد فصلتم بين هذه الألفاظ فأحلتم أن يقال في اللّه تعالى
هامش
( 1 ) في نسخة دار الكتب المصرية : وأدركت الثمرة وبلغت .
( 2 ) سورة يونس : آية 90 .
( 3 ) سورة الشعراء : آية 61 .