تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
وثبت بما قدمناه من جهة اللغة أنهما يفيدان هذه الحالة ، فقد صح الاستدلال بالآية على أنه تعالى لا يجوز أن يدرك بالأبصار ، ولا يرى بها . فإن قيل : إنا ندعى أن الإدراك بالبصر ، وإن لم يكن بخلاف الرؤية بالبصر ، فهو رؤية بالبصر على وجه مخصوص ، وهو أن يرى الشيء من جميع جهاته فيصير الرائي له محيطا به ، ويصير / البصر محيطا به ، فلا يجب في كل ما لا يدرك بالبصر لاستحالة الجهات عليه أن لا يرى بالبصر ، كما أن الفهم والفقه ، لما كان علما على وجه ، لم يمتنع أن يعلم ما لا يصح أن يفقه ويفهم ، فجوزوا كون الآية دالة على أنه تعالى لا يدرك بالأبصار وإن كان يرى في الحقيقة . قيل له : إن الأمر لو كان على ما زعمته لوجب أن لا يوصف الواحد منا بأنه يدرك ببصره هذه الأجسام الحاضرة لنا ، لأنه لا يراها في وقت واحد من جميع الوجوه ، ولوجب أن لا يوصف في الحقيقة بأنه قد أدرك اللون ببصره ، لأنه لا جهات له يرى عليها ، فإذا بطل ذلك ، وعلم أنه لا شيء يوصف الواحد منا بأنه يراه ببصره إلا ويوصف بأنه يدركه ببصره على اختلاف أحواله ، فذلك يبطل ما تعلق السائل به . وإنما قلنا إن الفهم والفقه هو العلم بمعنى الكلام دون العلم بالأشخاص وسائر الأشياء من حيث ثبت أن الواحد منا يوصف في الحقيقة بأنه يعلم نفسه وكون السماء فوقه والأرض تحته وإن لم يوصف بأنه يفهمهما ويفقهها . فلذلك جعلنا المستفاد بالفهم والفقه أخص من المستفاد بالعلم ، وليس كذلك حال الإدراك بالبصر والرؤية بالبصر لأنهما يطردان في الاستعمال على سواء ، فهما بمنزلة وصفنا للعلم بأنه معرفة ، وللقدرة بأنها قوة ، دون ما سأل السائل عنه . فإن قيل : إنه سبحانه إنما نفى أن يحاط به بالبصر ، ودل بالآية على أنه / ليس بجسم يصح ذلك فيه ، وهذا هو المعقول من الادراك بالبصر ، فكيف تدل