تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
إنه يحس ، وإن جوزتم أن يوصف بأنه يرى ويدرك ، وذلك يبطل استشهادكم به قيل له : إن قولنا ( يحس ) يفيد « 1 » مثل فائدة قولنا ( يدرك ببصره ) ، لأنه يفيد الإدراك بالحاسة ، فلذلك لم نستعمله في اللّه تعالى لأنه جل وعز ليس ممن يرى بالحواس ، وذلك لا يمنع من تسوية فوائدها إذا استعملت في الواحد منا ، وهو الّذي قصده الشيوخ ، فلا معترض على قولهم بما ذكرناه . فإن قيل : إنا ندعى أن الإدراك بالبصر ليس هو الرؤية بالبصر ، وأنه تعالى إنما نفى أن يدرك بالبصر ولم ينف أن يرى ، فكيف يصح أن تستدلوا بالآية على أنه تعالى لا يرى ؟ قيل له : إنه لا حال / يعقل للواحد منا إذا أدرك الشيء ورآه إلا حالة واحدة وهو كونه رائيا له ، ومتى حصل بهذه الحال وصف بأنه مدرك ببصره وراء ببصره ، كما لا يعقل له ، عند كونه عالما بالشيء إلا حالة واحدة ، وإن وصف عند ذلك بأنه عالم وعارف فلا فرق بين من جعل له بكونه مدركا للشئ ببصره حالة زائدة على ما قاله بكونه رائيا وبين من قال إن له أحوالا زائدة لا سبيل إلى معرفتها . وبعد : فكان يجب على هذا القول أن يجوز أن ندرك الشيء بأبصارنا على وجه وإن لم نره بأبصارنا ، أو نراه بأبصارنا وإن لم ندركه بأبصارنا ، لأنه لا يصح أن يقال إن لأحد الأمرين تعلقا بالآخر على وجه لا يصح أن يحصل خاليا منه ، لأن ذلك يوجب التباسه بما لا يفيد إلا حالة واحدة . وبعد : فلو ثبت ذلك من حاله ليدل على ما يقصد إليه من أن كل ما يستحيل أن ندركه بأبصارنا فيجب أن لا نراه بأبصارنا من حيث كانت الرؤية بالبصر لا تنفك من الإدراك بالبصر . فإذا صح أن حال المدرك والرائي حالة واحدة ،
هامش
( 1 ) في نسخة دار الكتب المصرية : يفيد بانفراده .