تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
الآية على أنه تعالى لا يرى ؟ قيل له : إن الإدراك إذا أطلق لم يحتمل الإحاطة ، لأنه لا يستعمل حيث تستعمل الإحاطة ، فلا يقال أدرك السور المدينة ، والدار من فيها ، والثياب الرجل ، والقلنسوة الرأس ، وعير المنبت الكافور ، وإن كان محيطا بذلك كله . ولا يقال إن بصرنا أحاط بالسماوات ، وإن قيل فيه إنه قد أدرك السماوات . فإذا كان عند الإطلاق لا يستعمل بمعنى الإحاطة ، فكيف به إذا قرن بالبصر ! وقد بينا أنه عند ذلك لا يحتمل إلا الرؤية بالبصر ، وفي ذلك إسقاط هذا السؤال . فإن قيل : هلا جوزتم أن يكون إنما نفى أن يدرك بالأبصار ، ولم يرد نفى الرؤية ، وإنما أراد نفى إدراكه بها على سبيل إدراك الحرارة والبرودة ، ولذلك يصح أن يقال في زيد إنه أدرك ببصره حرارة الميل وبرودته ، فلا تكون الآية دالة على ما استدللتم بها عليه ؟ قيل له : إن إدراك الحرارة والبرودة لا يختص به البصر ، لأن حكمه فيه وحكم سائر محال الحياة سواء لا يختلف ، فيجب حمل الآية على ما يختص البصر بالإدراك به دون ما يشركه غيره فيه . ولو ثبت أن ذلك يستعمل على ما سأل عنه السائل لم يؤثر فيما اعتمدناه ، لأنه يجب أن تدل الآية على أنه لا يدرك بالأبصار على كل وجه يصح عليه الإدراك / بالبصر من جهة الرؤية ومن غير جهة الرؤية . فكيف وما قدمناه يقتضي أنه لا يخص البصر بالإدراك إلا ويراد به ما يختص به دون ما شارك غيره فيه وهو الرؤية ! وعلى هذه الطريقة تستعمل هذه اللفظة في اللغة ، فمتى قال قائلهم أدرك بأذنه وأدركت أذنه الصوت ، لم يرد به إلا ما تختص الأذن به . وكذلك إذا قال القائل أدرك بصره أو أدرك ببصره ، لم يرد به إلا الرؤية . فإن قيل : إن الآية إنما تدل على أنه سبحانه لا تدركه الأبصار ، وليس في ذلك خلاف ، لأن البصر لا يدركه في الحقيقة ، وليس فيها دلالة على أن المبصرين