وقد بينا من قبل أن المراعى في رؤيتنا لما نراه ، بحصول قاعدة الشعاع النافذ من البصر ، بحيث ليس بينه وبين المرئى ساتر ، ولامكان يصلح أن يكون فيه ساتر ، بعد أن يكون نافذا على جهة مستقيمة . فإذا صح / ذلك فلا فرق بين أن يكون الشعاع يتصل بالوجه من المرآة وبين أن يتصل بسائر ما قابله في الوجه الّذي ذكرناه .
فإن قيل : هلا قلتم إن الرائي منا إنما يرى ما قابله لأن اللّه تعالى قد أجرى العادة بأن يخلق له الرؤية والحال هذه ، وإنما لم يوقع فقد المقابلة لأنه تعالى بالعادة لا يخلق فيه الرؤية ، فلا يجب أن تحيلوا فيما لا يختص بالمقابلة أن يرى ؟ قيل له :
إن ما جرى على طريقة واحدة ، حتى لا يكون بينه وبين الموجبات فصل ، لا يصح كونه بالعادة ، لأنا لو جوزنا ذلك فيه لجوزنا أن يكون حاجة الرائي منا إلى الحاسة أصلا في رؤية ما يراه للعادة ، وحاجته إلى البينة في كونه حيا للعادة ، ووجوب انتفاء السواد بالبياض للعادة ، وامتناع رؤية المحجوب والبعيد بالعادة . ولو جوزنا ذلك كله لأدى إلى أن يجوز أن يكون بين يدينا الجسم العظيم فلا نراه ، وإن كنا نراه الآن للعادة ، وذلك مما قد بينا فساده من قبل ، وذكرنا ما يلزم عليه من الجهالات .
وإنما يصح أن يصرف بعض الأمور إلى أنه بالعادة إذا لم نجد الأمر فيه من كل وجه على طريقة واحدة ، كما نقول في خلق الولد عند الوطء ، وكما نقوله في خلق العلم الضروري في مخبر الأخبار عند الإخبار ، لأن مثل تلك الأخبار توجد ، ولا يحصل لنا العلم ، ومثل خبر المخبر الأخير يحصل أولا ، فلا يحصل العلم . وقد علمنا أن صحة رؤيتنا للمرئيات عند المقابلة وما يجرى مجراها . وتعذر ذلك عند فقدهما ، بمنزلة حدوث الألم عند الضرب في جسم الحي / وارتفاع
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 142
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٤٢