وقد بينا من قبل أن الكلام في الرؤية فرع على الكلام في نفى التجسيم ، فلا وجه لمكالمة هذه الطائفة في الرؤية ، لأنه لو ثبت فيه جل وعز ، ما قالوه لوجب أن يرى لا محالة . وإنما نتكلم في نفى الرؤية بعد إقامة الدلالة على أنه تعالى ليس بجسم ولا عرض ، ونحن ندل على ما نذهب إليه ، ونبين الأدلة العقلية والسمعية فيه ، وعند فراغنا من ذكر أدلتنا نذكر شبههم والجواب عنها بعون اللّه ومشيئته .
دليل :
أحد ما نعتمد عليه في أنا لا نرى اللّه جل وعز بالأبصار ، لا ما قدمناه من أنه تعالى ليس بمرئى ، لأنا قد بينا أنا إنما لم نره في هذه الأوقات لا لمانع وعارض / بل لأنه في ذاته لا يرى ، كما أنا لم نر الطعم عند رؤيتنا للسواد ، لا لمانع لكن لأنه في ذاته لا يرى . وإذا صح بهذه الدلالة ، وسائر الأدلة التي استقصيناها ، أنه يستحيل أن يرى في ذاته ، فيجب أن يدل ذلك على أنه لا يصح أن يرى بالأبصار ، ولا يدرك بها ، لأنه لا يصح أن يرى بالبصر ما يستحيل أن يرى في نفسه ، كما لا يصح أن نعلم بالقلب ما يستحيل أن يكون معلوما في نفسه .
دليل آخر :
ومما يدل على أنه لا يصح أن يرى بالأبصار أن البصر لا يصح أن يرى به إلا ما كان مقابلا له ، أو في حكم المقابل له ، فما اختص بذلك صح أن يرى بالبصر . وما خرج عنه لا يصح أن يرى به . وهذا الشرط في أنه واجب فيما يصح أن يرى بالبصر بمنزلة نفس البصر في أنه شرط واجب في الرائي منا ، فلا فرق بين من قال في الرائي بالبصر إنه يرى به على خلاف هذا الوجه - وإن وجدنا الأمر يجرى على طريقة واحدة في أنا لا نرى به إلا كذلك -
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 140
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٤٠