وبين من قال إن الرائي منا لا يحتاج في رؤية ما يراه إلى البصر ، وإن كان لا يصح أن يرى على طريقة واحدة إلا به . وتجويز ذلك يؤدى إلى كل جهالة بأن يقال إن المتحرك ، وإن كان لا يتحرك على طريقة واحدة إلا عند وجود الحركة فيه ، أنه لا يحتاج في كونه متحركا إليها ، وكذلك في السواد ، وإن لم ينتف إلا عند وجود البياض أو بعض أضداده على طريقة واحدة ، أنه لا يحتاج في انتفائه إليه . وكذلك الظالم ، وإن كان يستحق الذم عند الظلم ، وعند فعل / القبيح ، ولولاه لم يستحقه ، أن ذلك غير واجب كونه مستحقا ، فإنما حسن بالعادة . وما أدى من الأقاويل إلى هذه الجهالات التي هي أصول الأدلة وجب فساده .
فإن قيل : وما الدليل على أن ما ذكرتموه شرط في رؤية ما ترونه ؟ قيل له : لأنا نجد الجسم واللون الحال فيه ، إذا كان مقابلا لنا ، يصح أن نراه ، وإذا أدبرنا عنه لم يصح أن نراه ، فعلم أن ماله لم يصح أن نراه خروجه من أن يكون مقابلا لنا ، وماله صح أن نراه دخوله في هذه القضية ، لأنه لم يتغير لهذا المرئى ، ولا لنا حال سوى ما ذكرناه ، فيجب أن يكون هو العلة التي لها صح أن نراه عند رؤيتنا له ، وبفقدها لم يصح أن نراه .
فإن قيل : ألستم ترون وجوهكم في المرآة وإن لم تكن مقابلة للبصر ، وترون نفس البصر في المرآة وإن لم يصح أن يكون مقابلا لنفسه ، وذلك يبطل ما اعتمدتموه ؟ قيل له : إن الرائي منا وجهه وبصره في المرآة إنما رآهما لأنهما في حكم المقابلين له ، لأن المرآة تصير آلة له ، فهي كأنها عينه فيما يرى بها ، فما قابلها إذن في هذا الحكم كأنه مقابل لعينه ، فلذلك صح أن يرى وجهه وبصره على هذه الطريقة .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 141
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٤١