فلم ينحصر المرئى على الوجه الّذي انحصر عليه المسموع ، فلذلك لزم من قال إن اللّه تعالى يسمع الكفر ، ولم يلزم ذلك من قال إنه يرى إذا نفى التشبيه ، ولذلك ظهر القول في إنه تعالى لا يسمع ، والتبس ذلك في الرؤية وكثرت فيه الشبه .
واعلم أنه لا فرق بين الأمرين على ما تقتضيه الأصول : لأن المسموعات مختلفة ومماثلة كالمرئيات ، والشروط التي معها نسمع المسموعات واحدة ، كما أن الشروط التي معها نرى المرئيات لا تختلف ، وكيفية رؤيتنا لما نراه في أنه يجرى على طريقة واحدة كإدراكنا لما نسمعه .
وليس كون المسموع مسموعا بموجب للتشبيه ، كما أن كون المرئى مرئيا لا يوجب ذلك فيه ، فإذا ثبت ذلك ، فلو قال قائل إنه جل وعز يسمع لكان الوجه الّذي به يفسد قوله ما قدمناه في إبطال القول بأنه يرى . والقول بأنه يسمع أبعد من التشبيه من القول بأنه يرى ، لأن إدراكنا للمسموع يصح من غير اتصال أو ما يجرى مجراه ، ولا يصح ذلك في المرئى . والعلم بأن الشيء لا يسمع / كالعلم بأنه لا يرى في أنه يحتاج فيه إلى اعتبار ، وإن كنا نعلم أنا غير سامعين للشئ ، وغير رائين له باضطرار . فإذا اختبرنا الحال فيه علمنا أنا إنما لم نره ولم نسمعه لأنه في ذاته لا يرى ولا يسمع عند علمنا بأنا لم نره ولم نسمعه لا لمانع وعارض ، فالطريقة في الكل واحدة على ما بيناه .
فأما من قال إن موسى سمع ذات القديم تعالى متكلما فسخف من قائله ، لأنه لا يخلو المسموع من أن يكون ذات القديم عز وجل ، أو ذات الكلام ، أو هما جميعا .
فإن كان ذاته تعالى يصح أن يسمع ، فقوله سمع ذاته متكلما لغو ، لأنه حصل متكلما أو لم يحصل يصح أن يسمع ذاته ، كما يصح أن يسمع الكلام
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 135
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٣٥