فصل في أنه تعالى لا يصح أن يدرك من جهة السمع والذوق والشم واللمس
اعلم أن ما دللنا به على أنه تعالى لا يصح أن يكون مرئيا يدل جميعه على أنه لا يصح أن يكون مدركا على سائر الوجوه التي ندرك عليها المدركات ، فلا طائل في إعادة القول فيه .
والأصل الّذي يعرف به أن الشيء لا يدرك على سائر الوجوه ما قدمناه من أن ما يصح أن يدرك يجب أن يدرك إذا كان الرائي على الصفة التي لها يدرك ، والمدرك على الصفة التي لها يدرك ، فما كان حاله هذه ثم لم ندركه قطعنا على أنه ليس بمدرك في نفسه ، وما امتنع إدراكه لعارض معقول لولاه لأدركناه علم أنا لم ندركه ، لا لأنه في ذاته ليس بمدرك ، لكن لمانع ، وهذا بعينه يوجب إبطال قول من قال إنه جل وعز يصح أن يسمع ذاته أو يدرك على سائر الوجوه .
وقد قال شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه إن العلم بأن ما خالف في جنسه الأصوات والكلام لا يصح أن يكون مسموعا أظهر من العلم بأن ما خالف هذه الأجناس المرئية لا يصح أن يكون مرئيا ، حتى قال رحمه اللّه : « إنه يقرب عندي أن / يكون العلم بأن الجسم لا يسمع ، والحركة لا تسمع ، ولا يصح ذلك فيهما ، ضروريا » .
وقال رحمه اللّه في ( الجامع الصغير ) : إن المسموعات نوع واحد ، فلا يصح إثبات مسموع ليس منها ، وكذلك المدركات من جهة الشم والذوق . فأما المرئيات فمخالفة لها في ذلك ، لأنها تشتمل على نوعين مختلفين جوهر وعرض ،