إلا ويصح أن يدرك متى حصل على الوجه الّذي من حقه ، فلا يجوز عنده إثبات جنس مدرك لا يصح أن يدرك ، ولا يثبت ما هو من جنسه إلا ويوجب كونه مدركا ، فالدلالة لا اعتراض عليها من هذه الوجوه .
وقد قال شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه إن وصف المرئى بأنه مرئى لا يوجب تجنيسا ، لأن الأشياء المختلفة تشترك في هذه الصفة نحو الجسم واللون ، ونحو الحركة والسكون ، والاجتماع والافتراق ، على طريقة شيخنا أبى على رحمه اللّه . فلا يجب كونه تعالى من جنس المرئيات لو كان مرئيا ، كما لا يجب كون المرئى السادس من جنس المرئيات الخمس من حيث شاركها في أنه مرئى ، وكما لا يجب كون اللون من جنس الجوهر من حيث شاركه في أنه مرئى . يبين ذلك أن الصفة التي لكون هذه المرئيات عليها تختلف ، فيرى كل جنس منها على ما يختص به لنفسه ، فهي وإن اشتركت في أنها مرئية ، فقد افترقت في الصفات التي تتناولها الرؤية ، وافتراقها فيها يوجب كونها مختلفة الأجناس ، فكونها مرئية لا يوجب تجانسها لفظا ولا معنى ، فكيف يقال إنه تعالى لو كان مرئيا لوجب كونه من أجناس المرئيات ؟ وهل هذا القول إلا بمنزلة من قال إنه جل وعز إذا كان معلوما فيجب كونه من أجناس المعلومات ؟ !
فإن قيل على هذا الفصل : أليس الألوان ، وإن / اختلفت وتضادت ، فقد قلتم إنها تشترك في كونها مرئية حتى قلتم إنه لا يمتنع أن يكون في المقدور لون مخالف لهذه الألوان ، وقلتم إنه يجب أن يكون مرئيا كهذه الألوان ، فهلا قلتم إن المرئيات ، وإن اختلفت أجناسها ، أنها في حكم الجنس الواحد كما قلتموه في الألوان ؟ قيل له : إن هذه الألوان متضادة أو متماثلة ، فالمتماثل منها يجب كون جميعه مرئيا لأن الشيء إذا كان مرئيا وجب في كل ما جانسه أن يكون مرئيا ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 132
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٣٢