فإن قيل : إن كونه قديما يستحيل دخوله تحت الرؤية ، لأن الرؤية تتناول الشيء على ما هو به في الحال ، وكون القديم قديما يقتضي أنه لا أول لوجوده ، وذلك مما يستحيل تناول الرؤية له . قيل له : إنك مهما زدت في الدلالة على أنه لا يصح أن يرى من حيث كان قديما كان آكد في الدلالة التي قدمناها ، لأنا تبيناها على أنه إذا استحال أن يرى من حيث كان قديما ، فيجب أن يستحيل أن يرى أصلا ، وذلك لا يتم إلا بأن نبين استحالة رؤيته له من حيث كان قديما ، فكلما زدت في الدلالة عليه زاد تأكيدا ووضوحا ، فكيف يصح الطعن به في الدليل ؟
فإن قيل : إنما نراه تعالى من حيث كان موجودا لنفسه ، وقادرا أو عالما وحيا لنفسه ، فالرؤية تتناول كيفية استحقاقه لهذه الصفات ، ولا تتناول نفس الصفات ، فكيف يجب من حيث قلنا إنه يرى جل وعز على هذه الصفات أن يرى الواحد منا عليها ؟ قيل له : إن الرؤية لا تتعلق بالنفي وإنما تتعلق بما تختص به الذات من الأحوال ، فكيف يصح أن يقال إنا أدركناه تعالى من حيث كان موجودا لنفسه ، ومن حيت استحق هذه الصفات على خلاف الوجه الّذي استحققناها ، والوجوه التي تستحق عليها الصفات ، وما يجرى مجرى النفي لا مدخل للإدراك فيه ، فقد / صح أنه لو رئى يرى على هذه الصفات ، وذلك يوجب أن يرى لواحد منا عليها أيضا ، وذلك واضح الفساد .
والّذي يمكن أن يقال في هذه الدلالة أنه تعالى لو رئى لوجب أن يرى على ما هو عليه في ذاته من الحال التي لاختصاصه بها وجب أن يستحق كونه قديما عالما قادرا حيا لنفسه ؛ لأن تلك الصفة هي أخص أوصافه ، ولا تحصل له إلا وهو موجود . ولا يجوز أن يرى الرائي الشيء إلا على الصفة التي تبين بها
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 127
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٢٧