فأما العضو الخدر فلسنا نقول إنه لا يدرك به ، وكيف لا يدرك به ويجد أحدنا الآلام الحادثة فيه عند زوال الخدر ، ويجد الحرارة والبرودة به ، وإنما يضعف الإدراك به لملامسة أجزاء لا حياة فيها لصفحة العضو ، فيتناقص إدراكه عن الإدراك بالعضو السليم ، وهذا أمر معقول لا يمكن دفعه .
وأما الملائكة التي تعذب أهل النار فلسنا نقول إنهم لا يدركون حرارة النار مع مماستهم لمحلها ، بل نقول إنه تعالى يمنع من وصول النار إليهم ، فلذلك لا يدركون منها ما يدركه أهل النار ، وإن كان لا يمتنع وصول اليسير منها إليهم . ويخلق اللّه لهم الشهوة لها ، وذلك يصح عند أبي هاشم رحمه اللّه لأنه يجوز في الشيء الواحد أن يكون ثوابا للمثاب من وجه وعقابا للمعاقب من وجه آخر .
وأما الخفاش فقد بينا أنه إنما لا يرى بالنهار لكثرة ضوء النهار ، فيصير شعاع عينه إذا انضاف إليه ذلك زائدا على القدر المحتاج إليه ، ولذلك لا يدرك بالنهار كإدراكه بالليل ، ولذلك لا ندرك إذا حدقنا في عين الشمس كما نرى على غير هذا الوجه .
وأما النعامة فإنما صح فيها أن تبلع الجمر لأن في فمها وحلقها من الرطوبة ما يوجب إطفاء النار التي في الجمر ، ولذلك لو ابتلعت الحديد الّذي أحمى الحما « 1 » الشديد لآلمها ذلك ؛ لأن القدر الّذي في حلقها وفمها / من الرطوبة لا يؤثر في إطفائه ، فقد ثبت أنها تدرك حرارة النار وإن لم تؤثر فيها على وجه دون وجه .
وأما الحفظة فقد بينا أنا لا نراهم لرقة أجسامهم ، وبينا أن المعاين يراهم إذا قوى شعاع عينه ، واستوفينا الكلام فيه .
هامش
( 1 ) لعل المؤلف قصد بها المصدر من « أحمى » على غير قياس لغوى صحيح ، والأصح هو أنه « إحماء » ، وهو عمليه تسخين الحديد مثلا في النار .