كثافته ، والمعاين عندنا إنما يرى الملك لأن اللّه تعالى يقوى شعاع بصره .
وكذلك القول في الأنبياء وفي رؤية بعضهم لبعض ، ولو أن اللّه سبحانه قوى شعاع أبصارنا أيضا لرأيناهم . وإنما لم يصح أن يكون لقلة الشعاع تأثير في رؤية الكثيف لأن هذا القدر من الشعاع يكفى في رؤيته وإن لم يكف في رؤية الرقيق ، وقد بينا أنه لا يمتنع في البصر أن يختلف حاله في كونه آلة بحسب اختلاف حال المرئيات ، فلا وجه لإعادته .
وقد بينا من قبل أن ما هو في خلاف جهة محاذاتنا يمتنع علينا رؤيته بالآلة نفسها ، وإن لم يمتنع علينا ذلك بالمرآة على وجه مخصوص ، وذلك لا يخرجه من أن يكون منعا مع عدم المرآة . فإذا صح ذلك بطل القول بأن الّذي لأجله يمتنع علينا رؤية ما لا نراه من بعيد ورقيق ومحجوب وكائن في غير جهة محاذاتنا أو حال فيما هذه سبيله ، أنه لم يخلق جل وعز في عيننا الرؤية له ، لأنا قد بينا أن الّذي لأجله لم نر ذلك ما ذكرناه من الموانع .
على أنا قد بينا أن الرائي منا لا يرى برؤية في عينه ، ودللنا على بطلان هذا القول ، وبينا أنه إنما يرى بصحة حاسته إذا ارتفعت الموانع ، ودللنا / على أن القول بذلك يؤدى إلى كل جهالة بأن نجوز في كل ما لا نراه أنا إنما لا نراه لفقد الرؤية ، ولو خلقت في عيوننا لرأيناه ، وذلك يوجب التباس ما يصح أن نراه بما يستحيل ذلك فيه ، وما يصح منا فعله بما يتعذر علينا في كل وجه ، فلا وجه لإعادته .
ولا يصح القول بأنا إنما لا نرى البعيد والرقيق والمحجوب لوجود ضد الرؤية في عيننا ، لأن الرؤية إذا لم تكن معنى فبأن لا يكون لها ضد أولى . ولو ثبت أنها معنى لم يكن لنا طريق إلى العلم بأن لها ضدا ، لأنها مما كان لا يصح عليها البقاء ؛ لأن تجويز بقائها يؤدى إلى أحد أمرين فاسدين : إما أن تتعلق بالمتقضى أو تبقى
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 122
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٢٢