تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
أو لأنه أجرى العادة في رؤيتنا بما نراه على هذه الطريقة ؟ قيل له : إن الجسم البعيد على وجه الأرض مضاف إلى بعده بخار الأرض ، وما يتصل به من الغبرة وغيرها ، فيصير الكثير منه في بعض الأحوال في حكم الحاجز ، ولا يمتنع أن يكون لكثيره في الحكم ما ليس لقليله ، لأنا قد علمنا أن الرقيق من النار لا يمنع من رؤية ما وراءه ، فإذا هو كثف وغلظ منع من ذلك ، فلذلك يمنع بعد الشيء على وجه الأرض من رؤيته ، وإن كان بعده دون بعد الكواكب ، ولذلك يرى الرائي منا الشمس عند طلوعها أعظم منها إذا ارتفعت لما يتصل بها من بخار الأرض . ولو حصل البعيد على وجه الأرض بمنزلة القمر في أنه لا شيء يحول بيننا وبينه / مما يجرى مجرى الحاجز لرأيناه ، ولو حصل بيننا وبين القمر من البخار مثل ما يحصل بيننا وبين ما على وجه الأرض لامتنع رؤيته ، وربما منع من رؤية ما على وجه الأرض ما يحصل فيها من ارتفاع وانخفاض ، فيصير ذلك أيضا كالمانع ، فقد بان أن ما سأل عنه في البعد لا يؤثر في كون البعد مانعا من الرؤية . وليس لأحد أن يقول : فيجب على ما ذكرتموه أن لا يكون البعد إذا انفرد عما يحول بينه وبين ذلك من البخار والغبرة مانعا ، وذلك لأنه متى بلغ البعد حدا مخصوصا فلا بد من أن يمنع لأمر يرجع إلى الشعاع الّذي هو من كمال الآلة ، لأنه لا بد من أن يؤثر بعده فيه . يبين ذلك أن يسير البعد يؤثر حتى يرى الكبير صغيرا من حيث يرق الشعاع المنفصل من الناظر ، فإذا كبر البعد فلا بد من أن يرتد تأثيره ، ثم كذلك أبدا حتى يخرج من أن نراه لبعده فقط . وليس المرئى في هذا الباب من المسموع بسبيل ، وذلك لأن الصوت يدرك في محله ، فمتى كانت الآلة صحيحة ، وليس هناك مانع يجرى مجرى سد خرق الأذن ،