فإنه يسمع وإن بعد بعدا مفرطا لحصول الوجه الّذي لأجله يسمع القريب من الصوت ، لأن القريب منه إنما يسمع لهذه العلة . فإذا حل البعيد محل القريب وجب أن يسمع ، والمرئى لا نراه إلا بانفصال الشعاع على وجه مخصوص . فإذا صح ذلك ، فما أثر في الشعاع على الوجه الّذي يكون من تمام الآلة يمنع من الرؤية ، وللبعد في ذلك تأثير قوى على ما ذكرناه ، فلذلك جعلنا البعد منعا في الرؤية ولم نجعله بانفراده منعا / في إدراك الصوت ، وإن كان شيخنا أبو عبد اللّه رحمه اللّه قد ذكر آخرا أنه يبعد أن يقال إن الصوت يسمع مع البعد المفرط ، ولم يعتمد فيه على علة سوى الاستبعاد . وقد قال هو رحمه اللّه في الحجرين إذا كان أحدهما أخف من صاحبه أن حالهما في النزول إنما يختلف للهواء العارض ، وقال لو لم يحصل هناك هواء لوجب أن يكون نزولهما على سواء ، ولم يستبعد القول بأن أقل قليل الأجسام الثقيلة يكون في السرعة كحجر النروة « 1 » لما دل الدليل عنده على ذلك ، فكذلك القول فيما ذكرناه .
وليس لأحد أن يقول لو كان البعد مانعا لمنع القوى الشعاع من الرؤية كمنعه الضعيف الشعاع ، وكذلك القول في الرقة ، وذلك لأن المانع لا يمتنع أن يتعلق كونه منعا عن الرؤية بغيره ، فمتى حصل ذلك الغير على وجه مخصوص كان منعا ، وإلا خرج من أن يكون منعا ، وذلك لا يمكن دفعه . يبين ذلك أن ثقل الثقيل يكون منعا بشرط كون القادر قليل القدر ، فمتى زاد قدره خرج من أن يكون منعا ، ولم يجب من حيث كان منعا لمن قل قدره عن حمله أن يكون منعا له ، وإن كثر قدره . فكذلك البعد والرقة يمنعان من الرؤية من قل شعاع عينه دون من كثر شعاعه من حيث صار الشعاع في كونه من تمام الإله ، وصحة وقوع
هامش
( 1 ) النروة : حجر أبيض رقيق ( القاموس المحيط : مادة « النروة » )