قيل له : إن حاسة البصر آلة في إدراك المرئيات ؛ والآلة لا يمتنع أن تكون آلة في شيء إذا كانت على صفة ولا تكون آلة في غيره إلا إذا كانت على صفة أخرى لأن اختلاف صفات ما هي آلة فيه كاختلاف ما هي آلة فيه . فإذا لم يمتنع اختلاف الآلات بحسب اختلاف المدركات ؛ فكذلك لا يمتنع أن يختلف حال حاسة الرؤية بحسب اختلاف ما يرى بها ، فيكون ما تختص به من رؤية القريب غير الصفة التي يجب أن تختص به في رؤية البعيد ، كما أن الآلة التي يكتب بها بعض الكتابات يجب أن تخالف ما كتب بها غيرها من الكتابات ، والآلة التي يحرك بها البعيد تخالف ما يحرك به القريب . فإذا صح ذلك فيجب أن نراعى اختلاف حالها ، كما يجب مراعاة اختلاف حال ما هي آلة فيه ، فلذلك صح أن تكون آلة مع قلة الشعاع في رؤية القريب ، ومع كثرة الشعاع في رؤية البعيد ، كما يصح كون الحبل القوى آلة في جر الثقيل ، والحبل الضعيف آلة في جر ما دونه .
ومتى قال القائل بأن البصر إذا اختص بقدر من الشعاع كان آلة في رؤية القديم ، لم يصح ، لأنا قد بينا أنها إنما تكون آلة مع قوة الشعاع في الشيء الّذي يصح كونها آلة في رؤيته مع ضعف الشعاع إذا تغير حاله من قرب إلى يعد ورقة إلى كثافة ، وهذا كما نقول في القدر إن القدر المخصوص منها يصح أن ينقل به الجسم الصغير ؛ فإذا عظم أو زاد ثقله لم يصح حمله بذلك القدر ؛ ومتى زاد / قدره صح حمله به ، فزيادة القدر إنما تؤثر في حمل ما يمكن حمله مع نقصان القدر لو تغير حاله من ثقل إلى خفة . فكما أن إثبات منع الثقيل لا يصح إلا على هذا الوجه ، فكذلك لا يصح أن تثبت قلة الشعاع مانعا من رؤية المرئى إلا على هذا الحد . ولولا صحة ما ذكرناه لوجب أن يجوز في سائر الأعراض أن تكون مرئية وأنا لا نراها لضعف الشعاع أو البصر ، ولجاز أن يقال إن سائر ما يدرك
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 111
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١١١