فصل في إبطال القول بأن ماله لم نر القديم سبحانه هو ضعف بصرنا عن إدراكه أو قلة شعاعه
اعلم أن من تمام آلة البصر انفصال قدر من الشعاع منه على وجه مخصوص ليصح أن نرى بها المرئيات ، وقد دللنا على ذلك من قبل . وإذا صح ذلك / فقول القائل بأن البصر يضعف عن رؤية الشيء لا يخلو من أحد وجهين : إما أن يراد به قلة الشعاع وضيق الناظر الّذي منه ينفصل الشعاع ، أو يراد بذلك ضعف يرجع إليه لا إلى قلة شعاعه . وهذا الضعف لا بد من كونه معقولا : فإما ان يراد به أنه قد حصل بالصفة التي لكونه عليها يقل شعاعه ، أو يراد أنه بالصفة التي لكونه عليها لا يمكنه تقليبه عينه نحو جميع المرئيات ، لأن فيها ما يحتاج لبعده إلى أن يعتمل بها فصل اعتمال ليصح أن يرى ذلك المرئى بها ، كما يحتاج إلى فصل اعتمال متى أراد الوثب والظفر ، ومتى لم يرد بضعف البصر بعض ما ذكرناه ، فقد أحال القائل به على وجه لا يعقل .
وقد علمنا أن جميع ما قدمنا ذكره لا يؤثر في رؤية المرئى إلا إذا كان على صفة مخصوصة لو لم يكن عليها لم تمتنع رؤيته . ألا ترى أنه إنما تمتنع رؤية البعيد للحاجة في رؤيته إلى قدر من الشعاع يزيد على قدر ما يرى به القريب ، وألا يتفرق ولم يحصل بحيث تكمل به الآلة ! ولذلك تختلف حال الرائين للبعيد فيراه بعضهم أسرع من رؤية غيره ، ويلحق بعضهم في رؤيته من اعتمال الآلة وتحمل المشقة فيه ما لا يلحق سائرهم . ولذلك لا يرى الضعيف البصر البعيد . وإذا قرب منه رآه