الإدراك ولا يقتضيه ؛ ولذلك نسبنا من أجاز كون المدركات على صفات أخر لنفسها إلى الجهالات ، كما نسبنا من أثبت ما يعلم بالدليل العقلي على أحوال لا يصح التطرق بالأدلة إليها إلى الجهالات ، فيجب القضاء بإبطال القول بالحاسة السادسة لما يؤدى إليه من الجهالات .
على أن إثبات الحواس لا يدل العقل عليه ، وإنما يعلم بالاختبار ، كما أن إثبات آلات الأفعال لا يدل عليه العقل وإنما يعلم / بالاختبار . فإذا صح ذلك فمن أين للقائل بالحاسة السادسة إنها في المقدور حتى حكم بذلك فيها ، وقطع بأن القديم تعالى يدرك بها في الآخرة على ما هو عليه ؟ !
فان قال : إني أثبت ذلك من حيث علمت أن له تعالى ماهية « 1 » لا تدل الدلالة العقلية عليها . واعلم أنه لا بد من صحة العلم بكونه عليها ، فيجب أن يكون طريق العلم بها الإدراك بحاسة سادسة لعلمي بأنه لا يصح أن يدرك بهذه الحواس .
قيل له : [ أولا ] : إنا قد بينا إبطال القول بالماهية ، ودللنا على فساده فكيف يصح لك أن تجعله أصلا لهذا المذهب الفاسد ؟ وبعد : فلم صرت إلى القول بالحاسة السادسة لهذه العلة دون أن تقول إنه جل وعز قادر على نصب دلالة لا يعقلها الآن ، يعلم بها على ما هو عليه من الماهية ، لأن إثبات دليل مخالف لما يعقل ليس بأبعد من إثبات حاسة مخالفة للحواس المعقولة .
فإن قال : إن الدلالة وإن لم توجب القطع على أن في المقدور حاسة سادسة فيجب أن نجوز ذلك ونقف فيه ، ومتى جوزناه لم يصح القطع على أنه تعالى
هامش
( 1 ) في أصل كل من نسختي المكتبة المتوكلية اليمنية ودار الكتب المصرية : مائية ، وهي أصل في ماهية ، ثم قلبت الهمزة هاء ( تعريفات الجرجاني : مادة « الماهية » ) .