لا يدرك . قيل له : إذا كنت شاكا في ذلك لعدم الدليل فلم قلت بحاسة سادسة دون أن تقول بسابعة وثامنة وتاسعة وعاشرة إلى ما لا آخر له ؟ وكيف يصح أن تقطع على أنه يرى بحاسة سادسة ، وموقفك في إثباتها وقف شاك فيها ؟ وبعد : فلم صرت بأن تثبت / حاسة سادسة يرى بها أو يدرك على جهة الشم والذوق والسمع بأولى من أن تثبتها ليدرك بها على خلاف هذه الطرق ، لأن تخصيص بعض ذلك دون بعض إنما يصح بالدليل . فأما مع الشك فيجب أن يكون جواز الكل على سواء ، وهذا كما قلناه لمن أثبت مع اللّه قديما .
ثانيا : إنك لست بإثبات قديم ثان لا يقتضيه العقل بأولى من إثبات ثالث ورابع إلى ما لا آخر له ، إذا كان موقفك فيما تقوله في هذا الباب موقف شاك .
فبان أن القطع على أن في المقدور حاسة سادسة على هذا القول لا يصح .
على أن المثبت لهذه الحاسة لا يخلو من أن يقول إن إدراك المدركات بسائر الحواس على حد واحد ، أو يقول إن الإدراك بها يختلف .
فإن قال إنها كلها تجرى على حد واحد ، وإنما تختلف الحواس التي هي الطريق إليها دون الإدراك ، فيجب أن يكون إثباته للحاسة السادسة عبثا ، لأن ما يدرك بها يدرك على هذا الوجه الّذي يدرك بهذه الحواس ، ويجب أن تجرى هذه الحواس على اختلافها مجرى الحاسة الواحدة ، وذلك يوجب الاستغناء بواحدها عن جميعها ، وفساد ذلك معلوم .
وإن جعلها مختلفة ، فلم صار بأن يثبت الحاسة السادسة ، يدرك بها على خلاف ما يدرك بهذه الحواس ، أولى من أن يدرك بها على الوجه الّذي يدرك ببعضها ، لأنه لا فرق بين أن يخصها بإدراك مخالف / لهذه الإدراكات ، أو يخصها بمدرك لا يصح أن يكون مدركا بهذه الحواس ، وهذا يوجب عليه تجويز كون القديم
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 107
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٠٧