وبين رحمه اللّه بأن النقص الّذي يجده / الضرير لا يتعلق بعلمه بأن هناك حاسة يرى بها ، لأن الأكمه الذي لم يرقط ولم يعرف كيفية هذه الحاسة متى جوزها وجوز أن يرى بها ويعلم بها بعض المعلومات وجد نقص نفسه ، فكذلك كان يجب أن نجد نقص أنفسنا بفقدان الحاسة السادسة إذا جوزنا كونها في المقدور على ما يذهبون إليه .
وبين أن الانسان قد يجد نقص نفسه بعدم الآلات لحاجته إليها لو كانت موجودة ، لأنه لو كانت له آلات للكلام أو للبطش لكان حاله فيما يصح أن يتوصل بها إليه من المنافع ودفع المضار على خلاف حاله الآن ، فلا بد من أن يجد نقص نفسه على ما ذكرناه ، فكذلك لو كان في المقدور حاسة أخرى يصح التوصل بها إلى إدراك بعض المدركات والعلم بكيفيتها لوجب أن يجد النقص بفقدانها ، ولا يجب أن يجد الواحد منا نقصا إذا لم يحصل مشتهيا لأكثر مما يشتهيه ، لأن النقص إنما يجده الواحد منا فيما يقتضي فقده اختلال حاله فيما ينتفع به أو يدفع به الضرر عن نفسه . فأما فيما لا يشتهيه أصلا فلا يجب ذلك فيه ؛ ولهذا لا يكون المؤمن في الجنة منقوص الحال لقصور شهوته عن شهوة الأنبياء ، وإن كان لو نقص مشتهاه عن قدر الحاجة لوجد النقص لا محالة . ولذلك لا يجد الواحد منا النقص لصغر جسمه عن جسم الفيل لما لم يكن له إلى كبر الجسم حاجة من اجتلاب نفع ودفع ضرر . وقد علمنا أنه لو كان في المقدور حاسة سادسة ندرك بها ما يستحيل / أن ندركه بهذه الحواس لكان بنا إلى وجوده أشد حاجة لنصل به إلى معرفة المدركات ، ولو كان كذلك لوجب أن يجد العاقل نقص نفسه على ما قلناه ، وفي فقد ذلك دلالة على فساد هذا القول .
وليس الرجوع بقولنا إنه كان يجب أن يجد نقص نفسه إلى العلم بفقد الحاسة
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 104
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٠٤