والأولية [ المكانية ] ، لن تكون إلا للمفارقات .
والرب تعالى هو الأول بلا أول كان قبله ، الآخر بلا آخر يكون بعده .
فهو الأول والآخر ، أي ليس وجوده زمانيا . والظاهر والباطن ، أي ليس وجوده مكانيا .
وأمثال هذه المتناقضات لفظا ، متفقة في حقه تعالى معنى .
والزمان والمكان توأمان تراكضا في رحم واحد ، وارتضعا من ثدي واحد ، ولوعى عليهما « 1 » في مهد واحد .
فاضرب الدهري بالجسمى ، والجسمي بالدهرى ، واطلب دين اللّه تعالى من الغالي والمقصر « 2 » ، وجلال اللّه تعالى / 34 ب فوق الأوهام والعقول ، فضلا عن المكان والزمان .
وحيث ما اشتقت العبارة باستعارتها في آفاق الفكر الجائل في عرصات المطلوب ، صار ما يرام وضوحه غامضا ، وما يتمنى فيضه غائضا . وكلت الآلة ، وضلت الحالة ، وعاد العقل الإنسانى عنده هباء ، والجبلّة استحالت عفاء .
فلا وجه بعد هذه المعاني التي طلعت عليها شمس العظمة فطبختها في أمواج البحار ، وسيحتها في أدراج الرياح ، إلا الركون إلى الشرع الطاهر
هامش
( 1 ) مكتوبة في الأصل : عليها .
( 2 ) جاء في عيون الأخبار لابن قتيبة 1 / 326 أنه كان يقال : « دين اللّه بين المقصر والغالي » .