هامش
الأشخاص إلى النوع ، لأن النوع لا يمكن أن يوجد بنوعيته ثم توجد الأشخاص ، ويمكن أن يعقل بنوعيته ثم يعقل الأشخاص . وهذا فرق بين الابداع والتعقل .
وأما قوله : بل يعقل كل شئ على وجه كلى ولا يعزب عنه شئ جزئي .
أقول : لما علم أن العلم بالجزئيات يتغير بتغير الجزئيات ، والعلم بالكائنات الفاسدات كذلك ، تخلص بالفرار إلى إثبات العلم بالكليات ثم الجزئيات تدرج تحت الكليات ضرورة وتبعا . ومثال ذلك : العلم بأن يكون كسوف معين في وقت مخصوص ، لا يكون علما بالكائن في وقت الكسوف ولا بالذي مضى من الكسوف ، فلا بد وأن يتغير العلم بتغير المعلوم أو يكون علم آخر غير العلم الأول / 28 ب لكن العلم بأن القمر إذا كان في برج كذا والشمس في مقابلته في برج مع سائر الأسباب التي توجب الكسوف ، فلا بد وأن يكون كسوف .
فهذا علم كلى لا يتغير ، وهو قبل الكسوف وحال الكسوف وبعده على وتيرة واحدة . فظن ابن سينا أنه بمثل هذا المثال يتخلص عن إلزام التعين . ولا خلاص ولات حين مناص .
فلينعم المجلس العالي في الالزامات التي أوردتها عليه ، والمطالبات التي خنقته بها ، فيعلم أن جميع ما عول عليه مسلمات مشهورة لا يقينيات ، والقضايا المشهورة لا تنتج اليقين .
فأقول : توجهت عليه المطالبة باثبات كونه تعالى عالما من طريق المتكلم ، فإنه يستدل بالاحكام والاتقان في الجزئيات ، وأنت لا تقول إنه يعلم الجزئيات إلا تبعا وضرورة وهو لا يصح للاستدلال به ؛ فان من طبع خاتما منقوشا على شمعة ، فظهر فيها النقش ، لم يستدل بحسن النقش على علم الطابع . ولربما لا يكون علما بالنقش بل النقش قد جعل منه ضرورة وتبعا للطبع ، والناقش غير / 29 أالطابع . فأنت بعد في مقام المطالبة من طريقتك .
ونتخطى عنه في البيان قليلا ، ونقول : سلمت كونه عالما أي عقلا وعاقلا ، وقلت صدقت . فقلنا : فلم قلت إن العلم على وجهين : كلى وجزئي . وإذا لم يجز أن يكون جزئيا ، يجب أن يكون كليا .
وما أنكرت على من يثبت علما وراء القسمين . وهذا كمن يقول : العلم إما تصور وإما تصديق .
فيقال : إن علم واجب الوجود ليس بتصور ولا تصديق .
أو يقال : العلم أولى ومكتسب .
فيقال : بم تنكر عمل من يثبت علما غير أولى ولا مكتسب ؟