تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكامل في الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
يظهر في هذا النص بوضوح صحة ما أدعيه في هذه الدراسة من أن تقي الدين اتجه بالاعتزال إلى وجهة السلف الصالح ، التي لم تخضع كل شيء للعقل ، بل تأخذ بظاهر النص الشرعي بل بما يروى عن الصحابة من أمور خارقة للعادة . ونلاحظ عدا ذلك أنه لم يتبع ذكر اسم علي بن أبي طالب بعبارة ( رضي الله عنه ) التي أتبع بها ذكر عمر بن الخطاب ، ومع أن هذا قد يكون سهوا غير مقصود ، إلا أنه عندي ينفي كل شبهة تشيّع بالنسبة لتقي الدين النجراني . ونلاحظ أيضا أن تقي الدين لم يعتبر الأشاعرة مجبرة ، مخالفا بذلك غيره من المعتزلة السابقين عليه ، بل فرق بين من أسماهم مشايخ العدل ( المعتزلة ) ، وأهل السنة ، والأشعرية ، وأهل الجبر ، والفلاسفة « 1 » . ويلاحظ هنا استخدام تقي الدين لمصطلح « أهل السنة » الّذي هو أوسع دلالة من مصطلح « الأشعرية » التي عرفت بأنها تشير إلى متكلمي أهل السنة . فالأرجح أنه يقصد به هنا - مع السلف - الماتريدية اتباع أبي منصور الماتريدي ( ت 333 ه / 944 م ) ، وهذا هو الموضع الوحيد الّذي فرق فيه تقي الدين بين أهل السنة والأشاعرة ؛ فهو كثيرا ما يصفهم بالسنية . ونستخلص مما سبق أيضا أن مصطلح ( السلف الصالح ) ، الّذي نجده يتردد كثيرا عند ابن تيمية ، كان قد عرف في أوائل القرن السابع الهجري وأخذ يتحدد مفهومه بالتفرقة بينه وبين مصطلح ( أهل السنة ) ، الّذي كان يطلق بداية على السلف الصالح ، ثم أصبح يطلق على الكلابية أصحاب عبد الله بن كلاب القطان ( بعد 240 ه / 849 م ) ثم على الأشاعرة بعد ظهور أبي الحسن الأشعري ( ت 324 ه / 836 م ) في القرن الرابع الهجري ، ثم على الماتريدية في القرن الرابع الهجري أيضا ، والقرون التي تلته إلى نهاية القرن السادس وبداية القرن السابع الهجري ، حيث عاد مصطلح ( السلف الصالح ) ، إلى مدلوله الأصلي الّذي نجده عند الإمام أحمد بن حنبل ( ت 241 ه / 855 م ) الّذي
هامش
( 1 ) انظر المخطوطة ، ص 76 ، سطر 1 ، 5 .