أما تقي الدين فيتفق مع البغداديين في عدم الأخذ بطريقة ( دلالة نفي الدلالة ) ، إلا أنه يرى ضرورة التوقف عن الحكم فيما لا دليل على ثبوته أو نفيه . أي أنه يرفض الإثبات عن طريق عدم وجود دليل النفي ، كما يرفض النفي بناء على غياب دليل الثبوت . وهو بذلك يخالف البغداديين في إرجاع صفة الإدراك إلى صفة العلم بالمدرك والمسموع والمبصر ، ويتفق مع شيخه أبي الحسين البصري في ضرورة التوقف عن الحكم في هذه المسألة .
على أن ما ذكرته هنا هو مثال واحد من أمثلة عديدة لمسائل هامة وردت وشكّلت الجزء الأساسي في كتاب الكامل ، حيث يتبين موقف تقي الدين النجراني الناقد لطريقة البصريين والمتحفظ أحيانا في الوقت نفسه على طريقة البغداديين ، مبديا استقلاليته عن كلتا المدرستين الاعتزاليتين ، جاريا في اتجاه اعتزالي جديد لعله بدأ بأبى الحسين البصري في مدرسة القاضي عبد الجبار ، ثم تطور ليقترب مع مرور السنين من موقف أهل السنة .
وقد يلاحظ الباحث المتخصص بوادر هذا الاتجاه عند القاضي عبد الجبار ، خاصة فيما يتعلق بمباحث العلّية أو السببية التي رفض عبد الجبار صورتها الأرسطية ، وقال في مقابل ذلك بما عرف ( بمجرى العادة ) ، التي رفضها أبو الحسين البصري ، وأخذ بها فيما بعد أبو حامد الغزالي ( ت 505 ه / 1111 م ) ، ثم رفضها تقي الدين النجراني ، ابن تيمية ( 728 ه / 1328 م ) فيما بعد . الا أن كتاب « الكامل في الاستقصاء » يحمل معالم واضحة لاعتزال جديد ظل محتفظا بمنهجه المعرفي وهويته الاعتزالية في الأصول الخمسة المعروفة . ومن خصائص هذا الاعتزال الجديد الاعتراف الصريح بعجز العقل الانساني عن الوصول إلى الحل النهائي في كثير من مسائل علم الكلام ، وضرورة التوقف عن الحكم فيها ، والرجوع إلى النصوص الشرعية في تلك المسائل التي يصل العقل الإنسانى فيها إلى طريق مسدود .
ويؤكد هذا الاتجاه الجديد الروح التي لا تقف عند حد الاقتراب من الكلام السني المتمثل في الأشعرية الأولى ، أو المتأخرة ، بل تصل أحيانا إلى حد الانتصار لموقف
الكامل في الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء — صفحة 47
مساهمون: مختار بن محمود العجالي ( تقي الدين النجراني )
ص٤٧