تقي الدين النجراني إلى هذا الموقف من أبى هاشم في مقدمة مخطوطتنا هذه بقوله :
« وقد تكلمنا في هذا الكتاب مع أبي هاشم وأصحابه في ستة عشر مسألة ، في بعضها وقع الاختلاف في حكم المسألة ، وفي بعضها ، وإن وقع الوفاق في حكم المسألة لكن وقع الاختلاف في طريق إثبات ذلك الحكم . فنتكلم فيها أولا في تصحيح طريقتنا ، وثانيا في تزييف طريقتهم » « 1 » .
وكانت أهم المسائل التي وقع فيها الاختلاف مع البصريين الأصل الّذي بنوا عليه موقفهم في مسألة الصفات الإلهية ونسبتها إلى الذات . وكذلك في عدد من أصولهم الأخرى . وهذه الطريقة التي وقع الخلاف فيها تسمى في علم الكلام بدلالة نفي الدلالة « 2 » . وتتلخص في أن ما لا دليل عليه يجب نفيه . وهذا يعنى أن أية صفة تنسب إلى الله تعالى لا يوجد دليل واضح علي وجودها مستقلة ، يجب أن تنفي صفة الاستقلالية عن وجودها . وقد استخدم البصريون هذه الطريقة بشكل خاص أثار أكثر الجدل والخلاف فيما يخص صفة الإدراك وكونها مستقلة عن سائر الصفات . حيث أنهم استخدموها بطريق العكس أو السلب ، بمعنى أنه طالما لا يوجد دليل على نفي وجود صفة ما مستقلة ، فيجب اثباتها كذلك ، أي إثباتها مستقلة « 3 » . وهذا يعني أن الإثبات يأتي نتيجة عدم وجود دليل النفي ولا يتوقف الاثبات في هذه الحال على وجود دليل الإثبات بل يكفى عدم وجود دليل النفي بنص شرعي .
لكن البغداديين لا يأخذون بهذه الطريقة في الإثبات أو النفي ، وهم لا ينفون ثبوت هذه الصفة ( الإدراك ) لله تعالى ، بل ينفون وجودها مستقلة ، أي زائدة على صفاته تعالى التي سبق ثبوتها ، وهم يجعلونها داخلة ضمن صفة العلم بالمدرك والمسموع والمبصر ، أي انها - عندهم - تتبع صفة العلم وتوجد متضمنه فيها غير مستقلة عنها . فهذا هو فهم البغداديين لكونه تعالى مدركا سميعا بصيرا « 4 » .
هامش
( 1 ) المخطوطة ، ص 4 ، سطر 10 - 14 .
( 2 ) انظر المخطوطة ، ص 119 ب .
( 3 ) انظر المخطوطة ، ص 93 وما بعدها .
( 4 ) انظر المخطوطة ، ص 93 .