إني لو اقتصرت على ذكر أدلتهم وعللهم لكفى الناظر - فيها في العلم بأنها لا تثمر ظنا فضلا عن علم ، أترى قلوبهم تسكن ونفوسهم تطمئن عندها ؟ !
ثم قال تقي الأئمة العجالي رحمه الله : فإن هذه الحجج التي قنعوا بها في إثبات هذا الأصل العظيم ليس يصلح إيرادها عند ملاعب الصبيان في ترويج الخيال ، فكيف بمثل أصل هو أساس الاسلام !
وأكثر مسائل مذهبهم تبنى على هذا الأصل ؛ فإنهم جعلوا المعاني المقدورة ( لأن تعجب طريق إثباتها ) « 1 » ، أربعة وعشرين جنسا ، عشرة منها مشتركة في القدرة عليها بين قادر الذات وقادر القدرة ، خمسة منها أفعال الجوارح وهي : الأكوان ، والاعتمادات ، والتأليف ، والآلام ، والأصوات . وخمسة منها أفعال القلوب ، وهي :
الاعتقادات ، والظنون ، والأنظار ، والإرادات ، والكراهات . وأما بقيتها فيختص بالقدرة عليها الله تعالى وهي : الجواهر ، والألوان ، والطعوم ، والروائح ، والحرارة ، والبرودة ، والرطوبة ، واليبوسة ، والقدرة ، والشهوة ، والنفرة ، والبقاء ، والموت عند أبي « 2 » علي . فانظر إلى هذا الأصل الّذي لو أحيل فإنه يحيل أصلهم للإسلام ، ويحيل من مذهبهم هذه الأقسام الكثيرة . ثم صححوا هذا الأصل بهذه الإمارات الضعيفة التي لا تثمر ظنا ولا خيالا « 3 » . عصمنا الله من الضلال بحق محمد وآله خير آل ، والله الموفق . انتهى بحروفه وبتمامه يتم المقام الثاني والحمد لله رب العالمين » « 4 » .
نصل مما سبق ذكره إلى أن مؤلف ( المجتبى ) الّذي نقل عنه ابن الوزير هذه الاقتباسات الكثيرة هو بالقطع مؤلف كتابنا ( الكامل في الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء ) وهو الشيخ مختار بن محمود العجالي المعتزلي الشهير بتقي الدين النجراني .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ؛ وهي عبارة غير مفهومة .
( 2 ) هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي - والد أي هاشم عبد السلام الجبائي - توفى 304 ه / 915 م ، وهو رأس المدرسة الجبائية من المعتزلة . ( انظر معجم المؤلفين لكحالة ج 10 ، ص 269 ) .
( 3 ) قارن هذا النص بما جاء بمخطوطة الكامل ص 28 سطر 16 إلى 45 سطر 7 تجده موجودا كاملا يكاد يكون مطابقا حرفيا عدا بعض مواضع التقديم والتأخير أو الاختصار أو التفصيل .
( 4 ) انظر ترجيح « أساليب القرآن » ، ص 129 .