لهذه الملازمة وجهين أحدهما : أنه لو قدر على جعله كائنا لكان الجسم متصرّفه ومقدوره ؛ فيقدر حينئذ على ذاته وسائر صفاته . والثاني : القياس على الكلام ، فإنه لما قدر على جعل الكلام خبرا أو امرا كقوله : تيامنوا ، وأمرو « 1 » ، أو تهديدا ، لقوله تعالى :
( فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
« 2 »
)
قدر على ذات الكلام وسائر صفاته ، كذا هذا .
وثالثها : أنه لو كان التحريك بالقادر لما تعذر عليه تحريك الثقيل دون الخفيف ؛ لأن المصحح لتحريكهما غيرهما ، وحال القادر معهما على السواء ، فلا بد من معان وأكوان تقل وتكثر ، فالقليل الّذي يكفي لتحريك الخفيف لا يفي بتحريك الثقيل فلهذا يتعذر عليه .
ورابعها : ما يكون بالفاعل زائدا على الوجود لا يتجدد في حال البقاء ؛ والكائنية تتجدد في حال البقاء ، فلا تكون بالفاعل . بيان الأول من وجوه ، أحدها : أن القبح والحسن لما كانا بالفاعل لم يتجددا في حال البقاء . فكذا في غيرهما من الصفات .
الثاني : أن كون الكلام أمرا أو خبرا عن زيد أو خبرا عن عمرو لا يتجدد بعد الحدوث لكونه بالفاعل فكذا صفات الأجسام . الثالث : أنه لا يصح من زيد أن يجعل كلام عمرو خبرا أو أمرا لما أنه لم يحدث به . فكذا الجسم لما لم يحدث بالفاعل منا لم يصح منه أن يجعله كائنا .
قلت ويمكن أن يقال : وخامسها : لو كان التحرك والسكون بالفاعل لصح منه تركه بعد الاعتماد ؛ لأن القادر هو الّذي يصح منه الترك والفعل ؛ ولما لم يصح منه الترك دل على أنه بالموجب ، وهو الكون الّذي يصح منه الترك .
الجواب « 3 » : قوله : لا نسلم بأن القادر هو المؤثر بحسب الداعي . قلنا : لما بيناه في أول الكتاب في أبواب التوحيد . والثاني أنا نعنى ب « القادر هو المؤثر بحسب الداعي »
هامش
( 1 ) كذا في النص ولعلها : وايسروا ، مقابل التيامن .
( 2 ) سورة الكهف ( 18 ) / 29 .
( 3 ) بدأ صاحب النص يرد هنا على الحجج الثلاث السابق عرضها .