المرمي ، هذا على الحجة الأولى .
وأما على الحجة الثانية « 1 » ، لا نسلم بأن الداعي لازم في فعل القادر المختار ، وليس كذلك . ألا ترى أن اختيار المضطر أحد الطريقين المتساويين أو أحد البابين أو العطشان أحد القدحين المتساويين « 2 » فعل القادر المختار وإن لم يوجد منه داعي الترجيح ، وكذلك فعل النائم والساهي فعل القادر المختار وإن تجرد عن الداعي ، ولئن سلمنا ولكن لا نسلم بأنه يلزم مخالفة الإجماع بتقدير عدم الشمول . ولا نسلم بأن هذا الإجماع حجة ، هذا على الحجة الثانية .
وأما على الحجة الثالثة فلا نسلم بأن احتياج كل واحد منهما إلى الآخر منتف ، وجائز أن يحتاج كل واحد منهما إلى الآخر في وجوده ، ثم يوجدان معا ، كالعلة والمعلول ، فإنه لا توجد العلة بدون المعلول ، ولا المعلول بدون العلة ؛ فوجب التقارن كذلك هاهنا .
على أن عين ما ذكرتم لازم في القادر لأنه لا يجعله في الجهة الثانية إلا بعد إخراجه من الجهة الأولى ، ولا يخرجه من الجهة الأولى إلا بتحصيله في الجهة الثانية ؛ فلو لزم بهذا التوقف انتفاء الموجب وهو الكون يلزم انتفاء القادر أيضا . وكذلك ينتقد هذا بطريان أحد الضدين على محل الآخر ، فإن السواد انما يحل محل البياض لو زال البياض ، وإنما يزول البياض لو حل السواد محله ، وأنه لا يمنع طريانه كذا هذا . ولئن سلمنا بأن ما ذكرتم من الجهة يدل على انتفاء الكون المختلف فيه ، فعندنا ما يدل على ثبوته . وقد ذكر أبو هاشم وأصحابه لإثباتها حججا كثيرة ، ولكن أقواها وأشهرها وأمتنها وأبهرها في زعمهم واعتقادهم أربعة ؛
أحدها : أن القادر لو قدر على أن يجعل الجسم كائنا متحركا أو ساكنا من غير واسطة الكون لقدر على ذات الجسم .
وثانيها : أنه لو قدر على بعض صفاته من كونه متحركا أو ساكنا لقدر على سائر صفاته بأن يجعله حيا قادرا عالما مدركا سميعا بصيرا ؛ واللازم منتف فينتفى الملزم ؛ وذكروا
هامش
( 1 ) راجع الحجج الثلاث في الصفحتين السابقتين .
( 2 ) قارن المخطوطة ، ص 28 ب ، سطر 11 . حيث يمكن قراءتها ( المملوءين ) .